مع استحضارنا للمعنى العام للقيم باعتبارها معايير ومقاييس يحتكم إليها المجتمع، ينبغي أن نميز بين القيم الأخلاقية باعتبارها أنساغاً سارية في الأسرة والمجتمع، وبين قيم التربية التي شكلت محط أنظار علماء التربية وفلاسفتها من أمثال "أوليفيي ربول"، و"مارسيل غوشيه"، و"طه عبد الرحمن" في مقالته الموسومة بتعددية القيم.
أوليفيي ربول
لقد لاحظ "أوليفيي ربول" أنه من الصعب حصر قيم التربية والتعليم أو ترتيبها حسب أولويتها وأهميتها، فالتربية إنما تقوم على القيم، ونقلُ القيم تثمين لها، ويمكن حصر أهم قيم التربية، حسب رأيه، في ثلاثة مجموعات هي: القيم الفكرية (المعارف، الثقافة...)، القيم الجمالية (الفن، الجمال، الذوق..)، القيم الأخلاقية والسياسية.وجوابا عن السؤال العريض: ما المقصود بالقيمة في ميدان التربية والتعليم؟ قال ربول ما معناه إن القيمة هي ما نضحي من أجله بشيء ثمين، ضاربا المثل بتاجر المجوهرات الذي باع كل ما يملك مقابل جوهرة نفيسة، القيمة في قصة التاجر ذات بعد ذاتي، لأن التضحية بكل الأملاك من أجل حيازتها، يعكس رغبة التاجر في التضحية، وهي باعث ذاتي، لكنها تنطوي أيضا على بعد موضوعي، لأن الجوهرة بذاتها ثمينة.
طلاب مدرسة
إن السؤال عن أية قيم نريدها في المدرسة، يستحضر التغير القيمي المتسارع في ظل العولمة، والسعي المحموم إلى الربح المادي والعائد الاقتصادي، ولقد سعى عالم الاجتماع "روبرت باليون" في دراسته لموضوع التربية على الديمقراطية في المدارس الثانوية إلى رصد وتحليل القيم والسلوكيات الاجتماعية التي تحظى بالتفضيل والأولوية لدى اليافعين داخل المؤسسة، فلاحظ أن الجهد يتصدر القائمة، بينما يتذيلها الصدق، الأمر الذي جعله يتساءل عن سلم أولويات القيم التي يتم تصريفها داخل المدرسة، خاصة أن مفهوم الجهد الفردي والاكتساب الشخصي لا ينسجم مع قيم روح الفريق وثقافة الجمهور، فهل ضحت المدرسة بالتربية الأخلاقية أو التربية على الأخلاق من قبيل الصدق والأمانة وعدم الغش من أجل إعلاء قيم براغماتية مثل الجهد الفردي، انتهاز الفرصة؟يضطلع الإعلام وعالم الرقمنة في الزمن الراهن بدور لا يقل أهمية عن دور الأسرة والمدرسة في التأثير على الاختيارات القيمية للمتعلمين، لذلك كان لزاما أن تشمل قيم المحافظة على البيئة وتنميتها المستدامة ما بات يسمى بالبيئة الرقمية والافتراضية، وذلك جنبا إلى جنب مع البيئة الطبيعية والإنسانية بغية جعل هذه البيئة المركبة عامل تشكيل إيجابي لشخصية الأطفال والشباب، يؤمن انخراطهم الفعال في المواطنة المحلية والعالمية، ويغذيهم بمنظومة القيم البناءة، وبمبادئ ومعارف ووسائل تحصنهم من السقوط ضحية سلوكيات ومواقف غير مدنية ولا أخلاقية، بل ومدمرة للبيئة بكل أبعادها"، وهنا تكمن أهمية إنتاج ألعاب إلكترونية وموارد رقمية تعليمية تستوحي الأصيل والسليم من تراثنا اللعبي الغميس، ذلك أن خطر بعض الألعاب "المعولمة" على الأطفال والشباب لم يعد خافيا على أحد، فالألعاب التقليدية كانت ولا تزال صديقة للبيئة الطبيعية، إذ إن وسائلها وأدواتها مأخوذة من الوسط الطبيعي وغير مدمرة ولا مؤذية له، ومن شأن انفتاحها على البيئة الرقمية أن يحافظ على نقاء تلك البيئة من محمولات الصور والمعلومات الخطيرة والمدمرة للهوية التي تعمل المدرسة جنبا إلى جنب مع المؤسسات الأخرى كالأسرة على غرس مبادئها في المتعلم، فالرقمنة خلقت هوية جديدة مركبة ومعقدة للغاية، يسميها البعض بالهوية السيبرانية، ومن المتعين وضع ضوابط ودلائل لاستعمال الوسائط الاجتماعية في البيئة المدرسية.لا نسعى في حدود هذه المقالة إلى وضع إجابات ومقترحات حلول، بقدر ما نرغب في زرع قلق السؤال، ذلك أن موضوع المدرسة والقيم ينبغي أن يكون باستمرار موضوعا للمساءلة والبحث. ليس سرا أن إنشاء نوادي المواطنة وحقوق الإنسان داخل المؤسسات التعليمية يسهم في زيادة الوعي بأهمية السلوك المدني واحترام حقوق الإنسان بمفهومها الشامل داخل الوسط المدرسي، لكن يظل الخطاب عائما ما لم تحدد المنظومة التعليمية من خلال إشراك مكوناتها الرئيسة (المدرس، التلميذ، المؤسسة) طبيعة القيم ذات الأولوية في المدرسة، هل هي: المواطنة، تكافؤ الفرص، التسامح، المساواة، الانفتاح، أم قيم أخرى؟