اهتم العرب منذ قديم الأزل بالطعام، وأبدعوا في تسمية أنواع المأكولات عبر الأيام والشهور والمناسبات المختلفة، فلكل مناسبة لها طعام مميز، وفي عيد الأضحى يشترك المسلمون في طقس ذبح الأضحية، ومن ثم طهي اللحوم بوصفات ومذاقات عديدة، والحقيقة أن الطعام ليس جزء من الحياة اليومية للشعوب العربية فحسب، بل إنه أيضا مادة خصبة ومثيرة للاهتمام في كل الأعمال الدرامية والثقافية والأدبية.
وعبر سطور مقبلة، نقترب من علاقة الطعام بالأدب عند الشعوب العربية لنتعرف على الكثير والعديد من المعلومات والقصص والحكايات الشيقة.
احتفى العرب عبر كتاباتهم الإبداعية بالطعام، ليس فقط كجزء مكمل لبنية وتكوين العمل الروائي، ولكن ليكون جزء رئيسيا من المشهدية السردية العربية، والتي تشير إلى الوقت والمكان وطبيعته، إلى جانب ما يحمله من دلالات وإشارات حول المكان وطبيعته وثقافته.
احضار الطعام
ولا شك أن الأعمال الروائية والإبداعية الغربية والشرقية سبقتنا في التخصيص والإشارة إلى أهمية الدور الذي يلعبه الطعام في ثقافات أخرى، مثل رواية "الذوَّاقة" للروائي الصيني لو وين فو، والتي ترجمتها المترجمة يارا المصري، ورواية "طعام.. صلاة.. وحب" للكاتبة إليزابيث جيلبرت.
روايتي طعام.. صلاة.. وحب | الذوَّاقة
ولا يمكن لنا أن ننسى أجمل ما وصلنا من تراثنا الكوني "ألف ليلة وليلة"، بكل ما فيها من احتفاء بالطعام، وفي معظم كتب مصادر الأدب توجد أبواب وفصول عن الطعام، بل إنّ هناك شاعرًا ساخرًا اسمه عامر الأنبوطي له ألفية في الأكل والطعام يقلد فيها ألفية "ابن مالك" في النحو.
ومن الغريب أن المكتبة العربية تاريخها يشير إلى ندرة الكتب المتعلقة بالطعام، وثمة عناوين معدودة على أصابع اليد مثل كتاب "وداعًا للطواجن" للكاتب الساخر محمود السعدني.
كتاب وداعًا للطواجن
وثمة تاريخ طويل للطعام جاء مع حضور الرواية العربية بدءا من رواية "الأيام" لطه حسين والتي أشار فيها إلى أطعمة تزعجه مثل العسل، وذلك يرجع لإصابته بالعمى، التي جعلت تعامله مع طعام مثل العسل أمر مزعج ويصيبه بالخجل.
ولكن كيف يرى الأدباء والمثقفون تلك العلاقة الأبدية مع الطعام؟
في البداية، تقول الشاعرة والناقدة الأكاديمية الدكتورة حسناء رجب: "أول أمس كان أول إجازة بالنسبة لي، وبمنتهى الجدارة صنعت طبخة حلوة لأطفالي، تحتاج من الجهد والوقت الكثير، كانت بالطبع تشمل ورق العنب المحشي بالأرز، وعندما يحين وقت الفراغ، يتحول العمل المتعب أحيانا إلى متعة، فإنني أؤمن بتقاليد أمي وجدتي القديمة، خاصة في المناسبات وعلى رأسها عيد الأضحى، فحينما نصنع الطعام لابد أن نصنعه كمن يحتفل بهذا الصنيع، في الوقت نفسه تذكرت مبدعون وأدباء قفز الوحي والإلهام إلى أعمالهم ليجعلوا البطل الرئيسي في الحكاية هو الطعام، حتى أنك تستطيع أن تشم روائح وأبخرة الطبخات من صفحات مؤلفاتهم".

وتابعت "رجب": على الصعيد العربي، الكتاب العرب تناولوا الكثير من الأفكار ذات الصلة بالطعام، على طريقة قريته مثلا، أو مدينته، لكن الطعام هنا لم يكن كفكرة أساسية على نحو ملحوظ للغاية، ولا مسرف في الوقت نفسه، هو فقط عالم من عوالم حكاية المؤلف، مضفور فيها، ليخطو جيئة وذهابا للحديث عن وصفة وطعام بحد ذاته.
وأشارت الشاعرة والناقدة الأكاديمية إلى أن إيزابيل الليندي الروائية التشيلية الشهيرة، على سبيل المثال، كشفت عن وجه آخر للطعام في أعمالها، وكيف يمكن للعلاقة بين الرجل والمرأة أن تتدفأ بجوار الموقد، وفى نفس الوقت لا تجرؤ على تنفس الهواء الذي يحيط بها، بل انها تمكنت من الغوص في فكرة الطعام وعادات الشعوب الغذائية، واكتشاف مؤثراتها المباشرة على الرجل أو المرأة، فمن منا ينكر أنه لا يستطيع أن يلتقط أنفاسه التقاطا بعد طعام معين، ومن منا لم يستطع منع نفسه من تناول المأكولات الصينية أو الهندية، ومن منا لم يرقص ويفرح بعد تناول طعام معين، وهكذا مجدت "إيزابيل" الطعام، كما احتفت، كما فعل المصريين القدماء، بالبصل والثوم في أعمالها.
وأكد الناقد والأكاديمي محمد حسين هندي عبر دراسة مطولة عن الطعام في السرد العربي، أن الروائيين أبدعوا في تقديم أنواع مختلفة من الأطعمة رغبة منهم في منح القارئ شعورا وإيهام بالواقع المقدم له سرديا، لكنه في الوقت نفسه ليس هو الواقع، وهنا تكمن متعة الرواية.
ليلة عرس
ولفت "هندي" إلى اختلاف صور تقديم هذه الأطعمة في الروايات، وهنا نقتصر على الرواية المصرية على سبيل المثال، التي شكل الطعام ملمحا بارزا في بنيتها النصية، فاعتنى يوسف أبو ريّة بهذا الجانب في كتاباته، خاصة "ليلة عرس"، وهي فريدة بحكم أنه منح بطولتها لصبي جزار.
من جانبها ترى الكاتبة الروائية جلاء الطيري أن الطعام مفتتح الحياة، وبداية الخليقة والغواية، ولو لم تشتهِ حواء التفاحة، ما كانت الحياة وما كُنا، فالشيطان لم يجد غواية أشد تأثيرا عليها سوى شهوة الأكلِ من التفاحة المحرمة، ولم يغرها بالجنس مثلا وإن كان متاحا.
وترى "الطيري" أن الطعام بداية المكائد ومحرك الثورات، فالثورة الفرنسية حركها الجوع، وفي الثورة المصرية كان الطعام مقدما، على الحرية، في شعار: "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، ودس السم في الطعام هو الوسيلة الأكثر شيوعا في موت الخصوم.
الروائية جلاء الطيري
وتتساءل الكاتبة الروائية: هل تكون شهوة الطعام سببا في فناء البشرية كما كانت سببا في احيائها؟ فما نُعايشه الآن من انغلاق للدول، وتغير سياسات، وقلب موازين وأحداث لم نكن نحلم بتغييرها، وأيضا قد تكون إحدى أسبابها، كما قيل إن شهوة أحدهم في أكل "شوربة خفاش" لأنها في معتقده تُطيل العمر، تعد من الأسباب المعلنة التي لم يتحقق من صحتها في انتشار وباء كورونا الذي نعاني ويلاته ولا نعرف سبيلا للتخلص منه.
وتذهب الطيري إلى أن الطعام مفتتح الحكايات في كتاب السرد الأقدم والأشهر "ألف ليلة وليلة"، فالطعام تناوله معظم الكتاب في رواياتهم، كما تأتى الرواية الأشهر لرضوى عاشور التي تحدثت عن البطاطس على لسان شخوص روايتها، وكانت السبب في الهجوم عليها رغم براعة الرواية والقص، لأن البطاطس لم تكن قد عرفت بعد.
رضوى عاشور
وتابعت "الطيري": "النعناع هو هدية العشاق، ومنكه الطعام، ومدخل السعادة، ففي قصتي التي فازت بالمركز الأول في مسابقة الإقليم وكنت في بداياتي، كان النعناع هو المحرك الأساسي لبطلة القصة التي تُحب النعناع وتجبر جدتها على وضعه في كل الأطعمة، ثم تأتي المقارنة بين موت الجد، وخلو الحياة من وجهه، واصفرار أعواد النعناع، وأيضا في قصة البنت والتفاح، تحكى عن اشتهاء البطلة لأكل التفاح، ولكنها عاجزة لفقرها عن تذوقه، فتلتهم في حلمها ثلاث تفاحات مرسومات على بطانيتها المهترئة، التي تتجاذبها هي وأخواتها وهنا يدور صراع بين ستر الجسد واشتهاء مريع لتفاح متخيل".
وتقول الكاتبة الروائية مريم هرموش: "للطعام دلالات كثيرة في السرد الغربي والعربي، ولقد تم توظيفه في الكثير من الأعمال الأدبية عبر شهادات ورؤى، على سبيل المثال، رواية "الأيام" لطه حسين، ففي بعض المواضع يشكو البطل من نوعية الطعام لشدة فقره وحاجته، وفي مواضع أخرى يركز على خجله من تناوله بين جماعة وتعرضه للإحراج بحكم إصابته بالعمى، والطعام لدى نجيب محفوظ يقترن بتعزيز الألفة أحيانًا وجلسات الأنس، كما في رواية "ثرثرة فوق النيل".
ثرثرة فوق النيل
وأضافت "هرموش": لابد من الإشارة إلى أن الكتابة عن الطعام احتلت مساحة كبيرة في أدب جيل الستينيات، وفي الأعم والأغلب يتم التطرق إلى ذكر الطعام والأكلات في السرد الأدبي لمدلولاتها الكثيرة، بداية من المناخ والبيئة الجغرافية إلى الطبقة الاجتماعية، بالإضافة إلى السلوكيات الشخصية.
الكاتبة الروائية مريم هرموش
وتتابع: هناك أعمال إبداعية عالمية احتفت بالطعام، وجعلت منه جزءًا أصيلًا في العمل، مثل رواية eat pray and love للكاتبة الصحفية إليزابيث جيلبرت، حيث تناولت فصلا كاملا عن إيطاليا ومتعة الاكل الإيطالي باختلاف المناطق، وكان ذلك توظيف هام في الرواية يصف متعة الأكل التي لا تقل أهمية عن باقي المتع.
وتقول الكاتبة الروائية ضُحى عاصي: "أعتقد أن الطعام – في حد ذاته – يصلح بطلًا في نص روائي إذا ما أراد الروائي ذلك، ولكن في الأعم والأغلب يتم التطرق إلى ذكر الطعام والأكلات لمدلولاتها الكثيرة، بداية من المناخ والبيئة الجغرافية إلى الطبقة الاجتماعية، بالإضافة إلى السلوكيات الشخصية والديانة والعلاقة بالعالم، فإذا أخذت مثلًا من كتاباتي على استخدام الطعام وتوظيفه فستجده في أحد المقاطع على لسان الكاهن القبطي الذي ترك مصر ورحل مع الحملة الفرنسية إلى فرنسا، في رواية "غيوم فرنسية" الصادرة مؤخرًا عن دار ابن رشد، وهنا يوضح الطعام البعد الروحي والطقس لرجال الدين الأقباط".
الكاتبة الروائية ضُحى عاصي
وتواصل: "في رواية 104 القاهرة، نجد مقطعًا عن زيارة الأضرحة والموالد، مثل الحسين والسيدة زينب، وهنا يشرح الطعام جزءًا من الطقس الشعبي مثل: "شي لله يا ست يا طاهرة، نقيد الشمع ونبل الفول ونوفي الندر"، وفي نفس الرواية 104 القاهرة نجد مقطعًا كاملًا عن الأكلات الأرمينية، حيث يتم من خلاله توضيح الفروق الثقافية بين الأسرة المصرية والأسرة الأرمينية".
رواية 104 القاهرة
ويقول الكاتب الرَوائي هشام شعبان: إن الطعام وصل بالأدباء العرب إلى كونه ركنا من أركان الرواية، فترى العميد طه حسين في كتابه "الأيام"، يستدعي الطعام خلال حديثه عن أيام دراسته في الأزهر، والعالمي نجيب محفوظ في عديد رواياته مثل "الشحاذ" و"زقاق المدق"، والكاتب الكبير توفيق الحكيم في "أشعب"، ذلك الطفيلي النهم الآكل على كل الموائد بلا استئذان، ومؤخرا الفائز بجائزة البوكر الروائي الليبي محمد النعاس في روايته "خبز على طاولة الخال ميلاد".
محمد النعاس
ويشرح "شعبان": "لا أرى غرابة في ذلك، فكون الطعام حاجة أساسية لحياة الإنسان جسديا، فهو أيضا حاجة روحية يستدعيها الكتّاب، وفي كتابات النوستالجيا حيث أيام الطفولة ومآثرها ونوعية الطعام، يكون الكاتب من أولئك الذين غادروا بلدته الصغيرة وانتقلوا إلى مدينة كبرى كالقاهرة، حيث يتبدل الطعام الذي اعتاده فيظهر ذلك الحنين في تلك الكتابات.
الكاتب الرَوائي هشام شعبان