خلق الإعلان المفاجئ لرئيس مجلس السيادة السوداني، القائد العام للقوات المسلحة، الفريق عبدالفتاح البرهان، عن انسحاب القوات المسلحة من عملية التشاورات التي كانت تجري تحت مظلة آلية ثلاثية -خلق حالة من الربكة السياسية في تفسير الخطوة وانعكاساتها على المشهد السياسي.
وأعلن البرهان مساء اليوم عدداً من القرارات، من ضمنها حل مجلس السيادة السوداني -المكون من عسكريين وشخصيات مدنية وممثلين لحركات مسلحة- وتشكيل مجلس أعلى للقوات المسلحة، عقب تشكيل حكومة الكفاءات الوطنية التي دعا إلى تكوينها بالتوافق والتشاور بين القوى السياسية.
وأكد المتحدث باسم قوى الحرية والتغيير، وعضو المكتب التنفيذي شهاب إبراهيم، عدم إبلاغهم بشكل رسمي بالقرارات التي أعلنها رئيس مجلس السيادة الفريق عبدالفتاح البرهان مساء اليوم.
وأضاف في حديث مع "سفن إي نيوز" أنهم تلقوا الأنباء مثلهم مثل الجميع عبر الوسائط.
وأرجع الطيب خطوة عدم تبليغهم بشكل مباشر لجهة أن قوى الحرية والتغيير كانت قد علقت الحوارات الجارية بينهم وبين العسكريين على خلفية العنف الذي قوبلت به مواكب 30 يونيو، بحسب ما قال.
وتابع: "حتى الآن لم تتخذ قوى الحرية والتغيير موقفا تجاه القرارات الجديدة"، مشيراً إلى أن الحرية والتغيير ستتخذ قراراً عقب اجتماع المكتب التنفيذي الذي سينعقد في أقرب وقت من أجل مناقشة المستجدات".
من جهتها، وعقب القرارات المعلنة، أعلنت مجموعة التوافق الوطني، عن عقدها لاجتماع طارئ صباح الثلاثاء بين جميع مكوناتها لمناقشة مستجدات الراهن السياسي وخطاب رئيس مجلس السيادة، للخروج بموقف موحد.
وتضم مجموعة التوافق الوطني –المنشقة عن قوى الحرية والتغيير- تحالف عريض مكون من مجموعة من القوى السياسة وحركات مسلحة منضمة للحكومة وممثلة في وزارات حسب اتفاق سلام جوبا، كما أنها ممثلة في مجلس السيادة، مما يعني أن القرارات الأخيرة تمسها بشكل مباشر، على رأسها قرار حل مجلس السيادة.
يعيش السودان منذ أشهر أزمة سياسية استدعت تدخل إقليمي وأممي عبر الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة وهيئة الايقاد، ممثلين في آلية ثلاثية كان من المؤمل أن تلعب دور المسهل في حوار سوداني سوداني يضم أطراف العملية السياسية من أجل وضع حد للأزمة السياسية التي تعصف بالبلاد منذ أكتوبر الماضي.
وأعلنت الآلية منتصف مايو الماضي عن انطلاق عملية الحوار السوداني السوداني، إلا أن الحوار تعثّر إثر مقاطعة قوى الحرية والتغيير "مجموعة المجلس المركزي"، والتي اشترطت مجموعة من الاشتراطات التي رأت أن السلطات لم تنفذها، وعلى إثرها قاطعت الحوار.
وشهد الحوار مشاركة مجموعة التوافق الوطني بالإضافة إلى الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق سلام جوبا.
وإثر تدخلات ووساطة أمريكية وسعودية، انعقدت مجموعة من الاجتماعات الثنائية بين قوى الحرية والتغيير والعسكريين خارج إطار حوار الآلية الثلاثية، حيث انعقدت معظم هذه الاجتماعات بمنزل سفير الرياض بالخرطوم، بحسب ما كشفت قوى الحرية والتغيير في أكثر من مناسبة.
وأفضت تلك الاجتماعات إلى تفاهمات عديدة، إلا أن هذه التفاهمات لم تكلل بإعلان رسمي أو الخروج للعلن عبر بنود واضحة، إذ ظلّت حبيسة الغرف المغلقة.
وظلت مجموعة التوافق الوطني ترفض الحوار الثنائي الذي كان يتم بين قوى الحرية والتغيير والعسكريين بوساطة سعودية أمريكية، مهددة بأنها سترفض أي اتفاق ثنائي يتم بين طرفين ويقصي أي مجموعة.
وفي تلك الأثناء خرج ممثل الاتحاد الأفريقي السفير محمد بلعيش ممثل الاتحاد في الآلية الثلاثية بتصريح صحفي من أمام منزل وزير المالية جبريل إبراهيم –أحد أطراف مجموعة التوافق الوطني- يعلن فيه انسحاب الاتحاد من الحوار، معللاً ذلك بـ "ممارسات الإقصاء"، لكن سرعان ما نفى الاتحاد الأفريقي ذلك عبر مكتب اتصاله في الخرطوم، قائلاً إن "سوء تأويل" حدث لحديث السفير، وأن الاتحاد أعلن مقاطعته لبعض مناشط الحوار الثلاثي، لكن لم ينسحب.
وكان الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، فولكر بيرتس، المتواجد في السودان، قد أعلن في تصريحات صحفية الأربعاء الماضي، أن التفاهمات بين قوى الحرية والتغيير والعسكريين وصلت إلى 80%.
لكن عادت الأوضاع إلى التأزم بين الطرفين مجددا نهاية الأسبوع الماضي إثر سقوط قتلى ضمن متظاهرين خرجوا في 30 يونيو، حيث دعت قوى الحرية والتغيير للتصعيد ضد العسكريين وصولاً إلى عصيان مدني دعت له ما بعد عيد الأضحى.
ويؤكد معتز الأمين، القيادي بحزب التحالف الوطني السوداني، الممثل داخل قوى الحرية والتغيير، أن الخطوة التي اتخذها الجيش هي خطوة للأمام، بيد أنه يرى أنها جاءت متأخرة، وكان من الممكن أن تكون قبل ذلك.
وأضاف في حديث مع "سفن إي نيوز" أن هناك ضبابية في فهم دور المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي سيشكل وفقاً للقرارات بخوص تحديد صلاحياته، متسائلاً هل سيكون وصياً على العملية السياسية؟
وأضاف أن الخطوة تعتبر تسوية سياسية، بانسحاب العسكريين من المشهد بعد الخلافات الطويلة وإفساح المجال للقوى المدنية للعب دورها الطبيعي في العملية السياسية.
ويرى المحلل السياسي منتصر إبراهيم أن القرار تم وفقا لقرار القوات المسلحة كمؤسسة مستقلة، حيث تم اتخاذه خارج إطار الآلية الثلاثية، وأضاف: "أن هذا القرار يعتبر قراراً شجاعاً يفسح المجال للقوى السياسية"
وقال "إبراهيم" في حديث لـ"سفن إي نيوز" أن الخطوة هي مخاطبة حقيقية للأزمة السياسية، وهي غياب الاتفاق السياسي بين المدنيين ومحاولة الاصطفاف خلف القوات المسلحة.
وتابع: "الآن الجيش وعلى لسان القائد العام ابتعد عن الاصطفاف وتكتل قوى بعينها وألقى بالكرة في ملعب القوى السياسية".
وتابع حديثه: الآن هناك مساران أمام القوى السياسية، الأول هو مسار سوداني سوداني خالص يتمثل في جلوس القوى السياسية وجها لوجه والوصول إلى حل للأزمة السياسية وصولاً إلى شكل للشراكة، والثاني هو أن يتواصل الحوار بين القوى السياسية تحت مظلة الآلية الثلاثية.