"هي اللي الشمس مكنتش تشرق إلا لما تفتح شباكها وتطل منه"، "حاجات كتير هترخص وهتبقي بسعر التراب، أنا وأنت والأستاذ وحضراتكم أجمعين"، "إحنا صغيرين أوي يا سيد"، "كل واحد فينا بيرقص بطريقته، أنا بهز وسطي وأنت بتلعب لسانك وتخطب".. لست مضطرًا لبذل أي جهد حتى تتذكر محل العبارات السابقة، بل ستكتشف قدرة كبيرة في الاستدلال على بقية السيناريو العبقري الذي خرجت منه تلك الأجزاء واسم العمل الذي تنتمي إليه.
السر يكمن في عبقرية وبساطة الأسطورة وحيد حامد، الكاتب الكبير الذي يترك أثره في وجدان كل مشاهد لدرجة لا تمر معها كتاباته وصياغة حواراته مرور الكرام.
في أول يوليو من عام ١٩٤٤ وُلد صاحب الرؤية المختلفة، الرجل الذي ينظر للقضايا مهما كانت تقليدية بنظرة شديدة الخصوصية، فلا يشبه غيره أبدًا، الأمر الذي يتأكد من سؤال مشاهد عادي عن اسم كاتب السيناريو والحوار المبدع الذي يتمتع به.
علامات فنية تنتسب لصاحبها المبدع وتنسب إليه الفضل في تاريخ طويل من الروائع يزيد عددها عن 100 عمل قدمها وحيد حامد للسينما والتليفزيون والإذاعة والمسرح جعلته واحد من أهم المؤلفين والكُتَّاب المصريين.
أشاد به النقاد والجمهور وانتظروا جميعًا موعد كل طلة جديدة للكاتب شوقاً وأملاً في عمل من العيار الثقيل، وكانت هذه هي النتيجة: البريء، ملف في الآداب، الإنسان يعيش مرة واحدة، اللعب مع الكبار، الإرهاب والكباب، طيور الظلام، اضحك الصورة تطلع حلوة، الغول، احكي يا شهرزاد، الراقصة والسياسي، التخشيبة، دم الغزال، عمارة يعقوبيان وكشف المستور، وغيرها من الأعمال الكبيرة والثقيلة التي تحمل اسم الكاتب الكبير وحيد حامد، بالإضافة إلى عدد من الروائع الدرامية التي تعد من علامات التليفزيون، منها مسلسلات العائلة، أوان الورد، بدون ذكر أسماء، والجماعة.
وحيد حامد وعادل إمام
بدأت مسيرة حامد من الإذاعة في السبعينات بمسلسل طائر الليل الحزين، وبسبب نجاحه الكبير تهافت عليه المنتجون في سبيل تحويله لسيناريو سينمائي، وقد تحقق النجاح للنص السينمائي أيضاً، ولم تكن التجربة الإذاعية الوحيدة التي ترجمت نجاحها بالتحول إلى السينما، فقد تكرر الأمر نفسه مع "أنا وأنت وساعات السفر" و"الدنيا على جناح يمامة" و"كل هذا الحب".
المخرج سمير سيف أحد أبرز الأسماء التي أكملت اللوحة الإبداعية المكتوبة على أوراق "وحيد حامد" بالصوت والصورة، حيث اشتركا معاً في ١٣ فيلماً ومسلسلاً وحيداً، كما تعاون مع شريف عرفة في ستة أفلام، ومع عاطف الطيب في خمسة أفلام، بالإضافة إلى أسماء أخرى بارزة وبارعة منهم يسري نصر الله، محمد ياسين، تامر محسن، علي عبد الخالق، محمد عبد العزيز، نادر جلال، عاطف سالم، عمر عبدالعزيز، ومروان حامد.
كما أنتج وحيد حامد عدد من المسلسلات هي "الجوارح"، "البشاير"، الدم والنار"، و"الجماعة"، بالإضافة إلى أفلام "اللعب مع الكبار"، "طيور الظلام"، "المنسي"، "النوم في العسل" و"معالي الوزير".
خاض "حامد" معركة شرسة مع الإرهاب وأعوانه من المتطرفين الذين أعلنوا صراحة عن وضع اسمه ضمن قائمة الاغتيالات منذ أوائل التسعينات، خاصة مع تركيزه على تناول عدة زوايا عن الإرهاب والتطرف في أعماله وحتى مقالات كتبها خلال نفس الفترة.
ولكن في مقابل كراهية المتطرفين كان يحظى "حامد" باحترام وتقدير الجمهور والنقاد وكل من شاركه عملاً سواء في الإخراج أو التمثيل وحتى من تمنى تلك المشاركة ولم ينل الفرصة، ففي النهاية اتفق الجميع على احترام وتقدير عقلية هذا المبدع الذي طالما تمتع بقراءة مسبقة للمشهد وطرح قوي لا يجرؤ عليه غيره، والأمثلة عديدة منها "الغول" و"طيور الظلام" و"كشف المستور" و"النوم في العسل" و"البرئ" الذي واجهته بعض الأزمات بهدف منع عرضه.
ليست مجرد رسائل عادية تحمل الكثير من كلمات الحب والتقدير، ولكنها مزيج من اعترافات وحكايات وشهادات وفضفضة موثقة ومحفوظة على الموقع الرسمي للكاتب وحيد حامد على شبكة الإنترنت wahidhamed.com، نقلاً عن كتاب وحيد حامد الفلاح الفصيح للناقد السينمائي طارق الشناوي.
البداية مع رسالة الفنان يحيى الفخراني، يقول فيها: "أنت أفضل من كتب الدراما في السينما المصرية، وأيضاً الدراما التليفزيونية في الفترة الذهبية التي عشناها سوياً، وأنت أيضاً من الكتاب الوطنيين الذين استطاعوا أن يشعروا بموطن آلام مجتمعهم، واستطعت بموهبة نادرة أن تعبِّر عن مجتمعك بصدق".
كما تقول عنه الناقدة ماجدة خير الله: "المبدع لا يستدعي أحداثاً وقعت ليستلهم مادته الفنية، ولكنه قد يتنبأ بها أو يحذر من وقوعها أو يكتشفها قبل أن يسبقه إليها غيره، المبدع يعتمد على قوة بصيرته وقدرته على قراءة البشر والأحداث ومسبباتها التي غالباً ما يكون لها مقدمات لا يلتفت إليها إلا نفر قليل، الحوار في أفلام وحيد حامد له مذاق ومنطق مختلف تمامًا عما يمكن أن تسمعه بين شخصيات متشابهة في أي فيلم آخر، هذا أحد أسباب تميزه، حتى إن كثيراً من جمل الحوار صارت تقال في مواقف حياتية على ألسنة الناس مثل "إحنا صغيرين قوي يا سيد" أو "كلمة بحبك عقد"، و"في أوروبا والدول المتقدمة" أو "أنت بترقص بلسانك وأنا برقص بجسمي، بس أنت رقصك مالوش جمهور" أو "إحنا في زمن المسخ"، عشرات الجمل والمواقف والشخصيات والأحداث من إبداع وحيد حامد أصبحت من روعة تكوينها وكأنها شخصيات من لحم ودم خرجت من الشاشة وتعيش بيننا، وسوف تبقى بعدنا".
وإلى رسالة الفنانة منى زكي التي تقول فيها: "الأستاذ وحيد حامد ليس كاتباً عادياً، وليس من العادي أبداً أن ينجح كاتب باستمرار في الوصول بالفنان لأعمق أفكار النفس وأكثرها تمرداً وطلباً للحياة، مثلما يحدث معه، في كل مرة يبدأ التعاون فيها بيننا من جديد أكون على يقين بأنه سيقدمني للجمهور بشكل لا أتوقعه حتى من نفسي، والأهم من ذلك أنه فخر لأي فنان أن يعمل معه، وقد نلت هذا الشرف أكثر من مرة، أستاذ وحيد.. شكراً على وجودك في حياتي ودعمك لي في بداياتي وحتى الآن".
يسرا مع وحيد حامد
وتصفه الفنانة الكبيرة يسرا في رسالتها قائلة: "هو مصري قلباً وقالباً، يعشق مصر لدرجة أنه حين يشعر بخطر يحيط بها ينزف قلبه لدرجة أنه يضطر أن يتم علاجه ويدخل العناية المركزة (ده من كتر حبه في مصر) يعشقها.. يخاف عليها.. يتصدى لها بكل حب وقوة لمن يريد بها السوء، هو مخلص في تفانيه وفي حبه لها، هو "وحيد" واسمه على مسمى، ليس وحيداً بمعنى أنه بعيد عن كل ما يحدث، ولكن أحياناً كثيرة يفضل أن يكون في صومعة تفكيره وفي وحدته، لأنه حزين ويصعب عليه أن يحزن أو يمرض لمجرد أنه مخلص.. ووفي.. هذا الإنسان له نظرة صائبة في المستقبل.. له نبض.. له رؤية.. ستشعر بذلك في كل مقالاته وأفلامه ومسلسلاته ومقابلاته".
وتحكي عن ذكرياتها معه الفنانة نبيلة عبيد قائلة: "تميزت أفلامي مع وحيد حامد لأنه كان صاحب جرأة ملحوظة في الموضوعات ومصائر الأشخاص، والمرأة عنده ليست شخصاً عادياً أو بسيطاً، هي خُلقت لمحاربة المستحيل، وفي أفلامي الثلاثة مع وحيد حامد التي كتبها لي، امرأة وحيدة ضد الجميع مقهورة لكنها لا تنهزم أبداً، من (التخشيبة) الطيبة التي جابهت الظلم وحققت لنفسها العدالة، وفي (الراقصة والسياسي) حققت المرأة الوحيدة مشروعها الخيري رغم الصعاب، وفي (كشف المستور) لم تكتف بالرقص بل ذهبت إلى المسئول لتعرف الأسباب، أي أنها امرأة غير عادية تعبر عن الزمن الذي عاشته، أفلام الأستاذ وحيد حامد تقرأ كل تفاصيلنا حتى ما نخشى البوح به".
وجاء في رسالة المخرج شريف عرفة: "من هذا الرجل الذي يجلس صباحاً ليكتب في أوتيل خمس نجوم وفي الليل يجلس على قهوة في عماد الدين.. لم يكن بالنسبة لي ولمن اقترب منه غير كتاب مكشوف. هو فنان موهوب وهذا أعرفه قبل أن أقابله، ولكنه وبعد أن قابلته لأول مرة وعلى مدى أكثر من ثلاثين سنة هو نفس الرجل لم يتغير، صاحبي أو كما اتفقنا أخي الكبير، هو نفس الرجل، وحيد، حاسم.. واثق من نفسه متواضع لأقصى درجة.. محترف جداً فهو يعرف قيمة المخرج، مهما كان هذا المخرج في بداية مشواره أو ذو مكانة، يستمع إليه جيدًا في ملاحظاته وينفذها إذا اقتنع، وبعدها يرفض المناقشة مع الممثلين ويتركها للمخرج، ليس استخفافاً بالممثل ولكن لأنه يعتبر المخرج عند تحمله المسئولية هو صاحب العمل ومن يتخذ القرارات، حتى لو كان وحيد هو منتج العمل، فعندما تدور الكاميرا لا رأي بعد المخرج".
ويقول عنه الكاتب تامر حبيب: "بخبرة وذكاء ظل يسمعني دون تعليق، إلى أن وصلت لمربط الفرس: بس بصراحة يا أستاذ، والله والله، ورحمة أبويا أنا مش حاسس إني عايز أكتب السيناريو رغم إعجابي الشديد بالرواية، ولم يتركني أنطق بكلمة أخرى، وحسمها بما قل، يبقى خلصت، مدام مش حاسس ماتكتبش، واوعى تكتب وأنت مش حاسس، كدت أبكي من رد فعله وتفهمه وكلامه الذي يهيم عشقاً بالمهنة، ليبتسم لي أستاذي بحب وأبوة قائلًا: يا ابني طيب أنا أحترمك أكتر من كده ازاي؟.. ومشيت منتشياً وممتناً آخذاً عهد على نفسي ألا أحكي الحكاية دي أبداً؛ علشان كبيرة قوي إني أقول للكبير لأ، إلى أن رأيته في حوار تليفزيوني وهو يحكي الواقعة مكملاً أنه لما أنا اعتذرت له، لقى إن مافيش حد تاني يستأمنه على الرواية، فقرر أن يكتبها هو، آه ورحمة أمي الغالية قال كده، وشعرت يومها إن دي جائزة وشهادة تقدير كبيرة قوي حصلت عليها من سيناريو لم أكتبه، من رجل عظيم علمني الكثير.. أستاذي صاحب (آخر الرجال المحترمين)".
وتقول عنه الكاتبة مريم نعوم "أحب وحيد حامد حباً جماً، لا يسعفني قلمي أو خجلي للتعبير عنه، أعتبره المثل الأعلى والبوصلة، ولولاه لما كنت أكتب الآن تلك السطور، ممتنة له منذ دراستي في معهد السينما، وقد لا يتذكر هو، ولكنني أتذكر كيف أخذني من يدي بمشروع تخرجي وقدمني للأستاذ حسين القلا المنتج المعروف، في هذا اليوم أدركت قيمته الإنسانية أيضاً وليس فقط قيمته الإبداعية، ممتنة لكل مكالمة تليفونية شجعني فيها على عمل ما قدمته أو حذرني فيها من تصرف أخطأت فيه أو حتى وبخني فيها على حماقة صدرت مني.. مرت سنوات عديدة ومواقف قد لا تكون كثيرة العدد، ولكنها عميقة التأثير في وجداني، وكل منها يزيد مكانة الأستاذ في قلبي".
وتقول عنه الفنانة إلهام شاهين: "الأستاذ الكاتب العبقري وحيد حامد هو أستاذي، ومكتشف موهبتي في أداء أدوار غير تقليدية وربما تكون صادمة للمتفرج، هو عقل مفكر وفيلسوف عظيم، ودائماً ما أسعد بقراءة ما بين السطور في كتاباته لعمق فلسفته في طرح آرائه، فكتاباته تحتاج لترجمة خاصة ورؤية لأبعد من الحوار المباشر، والبحث عن ما بين السطور الذي يؤثر في فكر ومشاعر المتلقي".
وفي رسالة المنتج محمد حفظي يقول "لماذا نجح وحيد حامد في استعادة نجومية وبريق المهنة؟.. بالطبع وحيد حامد ملهم لأسباب كثيرة، ربما أقلها هو تكريمه من قبل المهرجانات، ولكن أهمها من وجهة نظري أنه المؤلف الوحيد على مدار الأربعة عقود الماضية الذي نجح في الصعود بأفلامه إلى قمة النجاح الجماهيري، وحصد الجوائز، والتقدير من النقاد والسينمائيين في ذات الوقت. إنه المؤلف الوحيد الذي أنتج أعماله بدون المساس أو التدخل في رؤية المخرج في تحويل نصه إلى عمل سينمائي يحمل بصمة مخرجه، وبالرغم من ذلك كان المخرج دائماً يحافظ من تلقاء نفسه على صميم السيناريو وتفاصيله، إنه من المؤلفين القلائل الذين لم يستسلموا لفكرة تفصيل النصوص على مقاس النجم أو من أجل نجم بعينه، وبالرغم من ذلك هو أكثر سيناريست جسدت شخصياته نجوم من الصف الأول".
وفي رسالة الكاتب مدحت العدل قال عن وحيد حامد: "النجم في مفهومنا السينمائي هو الذي يباع الفيلم باسمه، سواء على مستوى التوزيع، أو أن يقطع الجمهور من أجله التذكرة، وهو في العادة الممثل أو الممثلة – عادل إمام مثلاً أو نادية الجندي – أما أن يتحول كاتب إلى نجم فهي حالة متفردة وخاصة في عالم السينما، ولكن وحيد حامد فعلها، فأصبح الجمهور يدخل الفيلم عندما يرى اسمه على الفيلم".
الكاتب الكبير
وليس بختام أفضل من كلمات المخرج الموهوب مروان حامد ابن الكاتب المبدع وحيد حامد الذي يحكي عن والده قائلاً: "أمشي فخوراً لأن اسمي مروان وحيد حامد، فأنا ابن الرجل الذي كافح وحارب معارك كثيرة ليجعل كلماته وأفلامه حاضرة في أذهان الجمهور والأجيال، ومحفورة في تاريخ السينما المصرية، لقد نجح أبي أن ينتصر دائمًا إلى ضميره، فكلماته دائماً من الناس وإلى الناس، أبي أشكر ربنا أنك أبي".
وقد حان موعد الرحيل في ثاني أيام شهر يناير من عام ٢٠٢١ في صدمة حزينة استهل بها الوسط الفني العام، ولم يبق في الأذهان سوى المشهد الأخير الذي ظهر فيه وحيد حامد أمام الجمهور أثناء تكريمه في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الثانية والأربعين بعد حصوله على جائزة الهرم الذهبي التقديرية لإنجاز العمر وسط تصفيق الحضور ودموع الفرحة والتأثر بكلماته ووجوده بينهم.
وقد شارك المخرج مروان حامد على صفحته الرسمية على إنستجرام عبر خاصية "ستوري" أمس، فيديو قصير يستعرض مجموعة من مشاهد من أعمال الراحل المبدع وحيد حامد، ومعها تعليق "ذكرى ميلاد الكاتب الكبير".