كيف كنا وماذا أصبحنا؟.. سؤال معتاد وقابل للطرح بحلول ذكرى الاحتفاء بثورة 30 يونيو، ليس فقط لاستعادة ذكريات وأحداث الثلاثين من يونيو وما تلاه من أيام شهدت إسقاط الإخوان والتخلص من كابوس مستقبل مظلم، ولكن أيضاً لأن المقارنة بين ما كنا نعيشه ونشهده وما آلت إليه الأحوال يستحق أن يُروَى دائماً.
الحديث عن تجربة خاصة لدولة كانت على حافة الانهيار والسقوط وتحولت إلى النقيض تماماً وحققت المستحيل باستعادة النهوض والبناء والتنمية بل وتحقيق الإنجازات أمر يستحق التوثيق واستعراض النتائج.
ونحن نشهد الذكرى التاسعة لثورة 30 يونيو نرصد التحديات التي تغلبت عليها القيادة المصرية بإدارة ناجحة،حيث وضعت خطة للإصلاح في وقت واجهت فيه مخططات الإسقاط والإرهاب وغيرها من الأزمات، التي كان من الممكن أن تعرقل خطط التنمية وتوقف عجلة الإنتاج والمشروعات كأزمة انتشار وباء كورونا على سبيل المثال لا الحصر.
ثورة 30 يونيو
والسؤال الذي نطرحه على عدد من الخبراء هو كيف تمكنت القيادة المصرية من الخروج من كل تلك الأزمات بنجاح واستكملت إدارة خطط الإصلاح بما يضمن استمرارية نجاح دولة 30 يونيو؟
وصف الدكتور جمال شقرة أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة عين شمس ومدير مركز بحوث الشرق الأوسط للدراسات المستقبلية سابقاً حديثه عن، جماعة الإخوان الإرهابية بالجماعة الانتهازية، موضحاً أن ما حدث ليس غريباً عليها، مؤكداً أن التاريخ يحكي سلسلة من الأحداث التي سعت فيها الجماعة الإرهابية لاستغلال المشهد السياسي، وآخرها ما شهدناه بعد 25 يناير 2011 حين سعوا لسرقة الثورة وفرض قياداتهم وأنصارهم على المشهد حتى اعتلى محمد مرسى رأس الحكم، وعاشت مصر أسوأ عام في تاريخها حيث أوشكت الدولة المصرية أن تتلاشى وتنهار بعد أن تدهورت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتعرض النسيج الاجتماعي لهزات عنيفة، كما تراجع الدور الإقليمي لأم الدنيا.
جمال شقرة
ويستطرد شقرة حديثه قائلاً: "حين اكتشف الشعب المصري انتهازية الجماعة سعى لإسقاطهم بثورة ساندها الجيش وحماها من أجل تصحيح أوضاع كارثية، لنشهد إزاحة الجماعة الإرهابية عن المشهد وكشف عورتها وزيفها للجميع، وها نحن نشهد بناء الجمهورية الجديدة، ونشهد تحولات إيجابية في شخصية مصر.
ويرى شقرة أن أكبر الأخطاء التي ارتكبها الإخوان التي تنبه لخطورتها المصريون هو رغبتهم وسعيهم لتمكين العناصر الإخوانية في جميع مؤسسات الدولة، بالإضافة إلى قرارات العفو عن عتاة المجرمين وإطلاق سراحهم رغم أن معظمهم كان مودعاً بالسجون في جنايات وجرائم كبرى ومحكوم على بعضهم بالإعدام والأشغال الشاقة، هذا القرار أثار استياء الشعب المصري كله ولا يمكن لأحد أن ينسى المشهد الذي تسبب في إثارة غضب المصريين بل والشعوب العربية أيضاً، وهو مشاركة قتلة السادات في إحياء ذكرى نصر أكتوبر، الأمر الذي أكد المستقبل المظلم الذي كنا نسير نحوه بخطى واضحة، بالإضافة إلى دعوات التكفير للمعارضين والعمل على تنفيذ هذا النهج على أرض الواقع.
ووصف أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة عين شمس ومدير مركز بحوث الشرق الأوسط للدراسات المستقبلية سابقاً، المظاهرات التي خرجت في 30 يونيو بالسيل العارم، حيث خرجت من كل شبر في مصر لتضيف إلى قائمة الثورات المصرية ثورة جديدة ثورة شعب حماها الجيش.
ثورة 30 يونيو
ويؤكد أنه متابع جيد لأحاديث الرئيس السيسي حتى قبل أن يصبح رئيساً، موضحاً أن كافة خطاباته وأحاديثه وتصريحاته كانت تنم دائماً عن قدرة كبيرة على استشراف المستقبل كما أن لديه رؤية واضحة وتشخيصاً جيداً للأوضاع السياسية والاقتصادية.
وتابع: لا يمكن لأحد أن ينكر المجهود الكبير الذي بذله هذا الرجل من أجل النهوض بكل شيء، في صحة، تعليم، عشوائيات، محاربة فساد وغيرها، فقد نظر للمشكلات الاقتصادية والسياسية والمجتمع المصري كله بنظرة بانورامية شاملة مُدركاً أن كل مشكلة تؤدي إلى الأخرى، في الوقت نفسهالذي غاص فيه في أعماق كل مشكلة على حدة مُتحدياً عنصر الوقت أحياناً والإمكانيات في أحيان أخرى لتحقيق إنجازات ونتائج ملموسة.
يرى الخبير الاستراتيجي والعسكري اللواء محمد عبد المنعم طلبة أن بعد تولي الرئيس السيسي الحكم كان أمامه عدة تحديات ما بين الإرهاب الذي كان منتشراً، وأزمات اقتصادية يحتاج في مقابلها إلى رفع مستوى الشعب المصري والدولة من أجل إقامة مصر جديدة، فضلاً عن التحدي الصحي المتمثل في فيروس سي أولاً ثم وباء كورونا، كل هذه الأزمات كانت أمام الرئيس السيسي وكأنه في مفترق طرق، لابد أن يسير فيها جميعاً ولا يؤجل أي منها.
اللواء عبد المنعم طلبة
وتابع: لو قرر الرئيس تأجيل أحد الملفات كانت الدولة المصرية ستبقى "محلك سر" ولن يطرأ عليها أي جديد، هذا التفكير الذي يراه "ميزة" الرئيس السيسي الذي انتهج الفصل بين كافة الأزمات والتحديات التي يستلزم كل منها تصوراً وترتيباً مختلفاً.
ويشير طلبة إلى أن الرئيس السيسي وجه الجميع كل في موقعه والمجال الذي يحقق فيه أقصى إفادة، ففي الوقت التي تولت فيه القوات المسلحة والشرطة تأمين الدولة من الداخل والخارج ومحاربة الإرهاب والقضاء عليه، كان الجيش الأبيض "الفرق الطبية" يؤدي دوره في القطاع الصحي خاصة في ظل أزمة كورونا والتعاون مع رئاسة الوزراء في متابعة آخر تطورات الموقف وتوفير الأمصال المختلفة خاصة بعد نجاح الدولة في توفيرها بالمجان، الأمر الذي جعل كورونا تحت السيطرة ومن قبله فيروس سي الذي استطاعت الدولة المصرية مواجهته والتغلب عليه.
ثورة 30 يونيو
ويشيد طلبة بالخطط السنوية التي يتبعها الرئيس السيسي، منتقداً الخطط الخمسية التي كانت تتم في فترات سابقة قبل توليه، حيث يرى أن وجود خطة خمسية أو عشرية كما كان يتم الإعلان عنها من قِبل رؤساء سابقين أشبه بالمسكِّنات، على عكس ما نراه ونشهده حالياً من تنفيذ سريع لكثير من المشروعات التي يرى فيها الشعب ويشهد حقيقة ونتيجة ما كان قد تم الإعلان عنه، ضارباً المثل بمشروع قناة السويس الجديدة الذي أصدر تعليماته بأن ينتهي خلال عام واحد فقط.
ويؤكد طلبة أن الطريق الذي اتبعه الرئيس السيسي قد أتى بثماره والدليل أن الإرهاب تقريباً اندثر إلا من بعض محاولات على استحياء، وبالنسبة لأزمة كورونا وتأثيرها فقد تمكنت القيادة المصرية والسياسة التي اتبعتها في مواجهة الفيروس العالمي من مواجهة الوباء ومتحوراته التي لم يكن لها تأثير كبير، أما الإصلاح الاقتصادي والبناء والتعمير فهو طريق ممتد يسير فيه دون توقف.
فيما يرى الدكتور سعد الدين خليل خبير التنمية الإدارية وإدارة الموارد البشرية والإبداع المؤسسي أن سر نجاح الدولة المصرية في تحقيق إنجازات على أرض الواقع، هو القيادة السياسية والقيام بتشكيل هياكل تنظيمية واضحة المعالم منذ اللحظة الأولى لإدارة الأزمات، مشيراً إلى أنه ومنذ تولى الرئيس السيسي الحكم أصبحت هناك مستويات عدة لإدارة الأزمات وأصبح لدينا فرق عمل في كل وزارة وأصبحت معظم البيانات متاحة ولدى الإدارات المختلفة إمكانية جمع المعلومات وتحديثها إلى جانب التدريب والدراسة لكل العناصر على كيفية التعامل مع أي أزمة لإدارتها بطريقة سليمة وتجنب آثارها السلبية قدر الإمكان.
سعد الدين خليل
ويشيد خليل بكيفية توزيع الأدوار والتنسيق بين الوزارات المعنية بالأزمة والعمل معاً بطريقة سيمفونية على حد وصفه ولم يكن عملاً مركزياً قاصراً على جهة بعينها، مضيفاً أن متابعة القيادة السياسية لمستجدات الموقف وطمأنة الرئيس للشعب في أكثر من مناسبة وحديث، والأهم تركيزه على استمرار الجانب التنموي وإدارة المشروعات منحهم شعور بالأمان والطمأنينة وساهم في الحد من آثار كورونا السلبية على عجلة الإنتاج.
ويتابع: عندما يرى الشعب رئيسه وهو يتابع العمل خطوة بخطوة وفي نفس الوقت يتابع أزمة كورونا تتأكد لديهم قناعة ضرورة استمرار عجلة الإنتاج وتحقيق التنمية.
ثورة 30 يونيو
وصف خليل موقف الدول العربية من ثورة 30 يونيو بموقف الحب والتعاون وهو موقف ليس وليد اللحظة إنما موقف متكرر في عصور مختلفة، مشيراً إلى المساندة العربية في حرب أكتوبر 1973، حيث نتذكر هنا كلمات الأسطورة العربية المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "طيب الله ثراه" عندما قال أهم وأصدق العبارات "البترول العربي ليس أغلى من الدم المصري" تعبيراً عن التلاحم والمساندة التي قدمتها الإمارات وغيرها من الدول العربية لدعم الموقف المصري، مشيراً إلى أن العلاقة بين الدول العربية معظم الوقت قائمةعلى الدفاع المستدام والمتبادل والتعاون المثمر، ولأننا نسيج واحد وأي خطر يمس أي دولة يهدد الدول العربية بالكامل فإن الجميع يتخذ نفس الموقف الدفاعي المساند في الأوقات الفارقة، مثلما حدث في ثورة 30 يونيو.
وثمن خليل، استراتيجية الرئيس السيسي التي تقوم على التكامل، انطلاقاً من روح التعاون بين فريق عربي متجانس لا يبحث أحدهم عن زعامة بقدر البحث عن مصلحة عامة لكل الدول، الأمر الذي يدفع كل دولة لمساندة الأخرى في نفس إطار الاستراتيجية الناجحة التي تحفظ العلاقات على مدى التاريخ.
يرى أحمد عليبة الباحث السياسي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن تلك الفترة بالنسبة للدولة المصرية كانت فترة تحول في وضع الإقليم، فقد شهدت تهديدات كبيرة بالنسبة لمصر التي انتهجت آنذاك سياسة مختلفة عن السياسة السائدة، حيث لعبت دوراً محورياً في مناطق الصراع والأزمات، مشيراً إلى الأطراف الإقليمية تحديداً غير العربية التي كانت تنتهج عسكرة السياسة الخارجية بوجود قوات جيوش في دول أخرى مثل ليبيا وسوريا، وهي مناطق تشكل محاور استراتيجية لمصر بالنسبة للأمن القومي المصري والعربي أيضاً.
أحمد عليبة الباحث السياسي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
وأوضح أن مصر اتخذت موقفاً مغايراً تماماً كان بمثابة نهج للدبلوماسية المصرية، حيث رفضت فكرة التدخل العسكري والدخول في صراعات، فلم تنخرط مصر في أي معركة أو صراع مسلح بل لعبت دوراً كبيراً وبارزاً في خفض هذه الصراعات بشكل احترافي له رؤية استراتيجية.
فقد كانت أهم النقاط التي تستهدفها جهود الدبلوماسية المصرية وفقاً لـ"عليبة" هي تحقيق توازن إقليمي وعدم التدخل في شؤون الغير وصيانة الأمن القومي العربي.
ويؤكد عليبة أن مصر في هذه المرحلة كانت بمثابة رجل إطفاء حرائق المنطقة، ساهمت في تهدئة الأوضاع في ليبيا وكذلك كان لها دور في أزمة غزة العام الماضي.
ويشير عليبة إلى التطوير والتحديث الذي شهدته القوات المسلحة المصرية، إلى جانب تحقيق الاستراتيجية الخاصة بالسياسة الداخلية والخارجية وتأمين المصالح المصرية والتصدي للتهديدات، وكل ذلك في إطار الحفاظ على الأمن القومي المصري، وقد كان ارتفاع مستوى القدرات والإمكانيات في صالح مكافحة الإرهاب الذي يرى أنه لا يقتصر فقط على مصر أو بالتحديد جزء من أرضها هو سيناء التي كان يتسلل إليها بعض هذه التنظيمات، الأمر الذي يوضح حجم وثقل المعركة التي دخلتها مصر بسبب سيناء سواء لمحاربة الإرهاب أو لخوض معركة التنمية فيها، وهي تنمية لم تشهدها أرض سيناء من قبل.
وينهي "عليبة" حديثه عن علاقة الدول العربية بمصر خاصة بعد 30 يونيو، موضحاً أن وجود تنظيم يحكم دولة لها ثقل إقليمي مثل الدولة المصرية لا يقع الخطر عليها فقط بل يعد تهديداً للإقليم بأكمله، فتنظيم متطرف مثل جماعة الإخوان الكل يعلم تماماً أجندته حين يصل لقمة السلطة، لذا كان لابد من حدوث تلك المشاركة في مواجهة التهديدات التي تتعدى الحدود المصرية، مؤكداً أن الرئيس السيسي أكد في أكثر من مناسبة الدور العربي والدعم الذي لاقته مصر أثناء وبعد أحداث ثورة 30 يونيو، الأمر الذي يشير إلى مدلول واحد هو أن أمن مصر جزء من أمن دول الخليج، وأمن دول الخليج لا ينفصل أو يتجزأ عن أمن الدولة المصرية.