إلى متى يستمر رعب الثانوية العامة؟.. خبراء يجيبون

خبراء: هل يهم الآباء الشهادة على حساب أبنائهم؟

دكتورة سامية الساعاتي: عانيت شخصيا من تجربتي المريرة في الثانوية العامة وأستاذي قال لي: «ارم نفسك من الشباك لو مطلعتيش الأولى»!

دكتورة شيماء عصام: كثرة الضغوط على الطلاب تصيبهم بالأمراض النفسجسمانية وتنتهي بالانتحار في بعض الأحيان

على مدار سنوات وعقود طويلة ارتبط مصطلح الثانوية العامة في مصر بالقلق والتوتر والخوف لدرجة الرعب من هذه الشهادة، والإصابة بأمراض نفسية وربما جسدية وقد يصل الأمر لمدى خطير حينما يقبل الطالب أو الطالبة على الانتحار. 

لقد شهدت الآونة الأخيرة ارتفاعا ملحوظا في عدد حالات انتحار الطلاب سواء في أثناء امتحانات الثانوية العامة أو في أعقاب ظهور النتيجة والإصابة بالصدمة بسبب التناقض الذي يفاجأ به الطلاب بين الواقع والمأمول بالنسبة لهم. 

طلاب الثانوية العامةطلاب الثانوية العامة في الامتحان

ولا زالت الثانوية العامة مثيرة لتوتر الأسرة كلها وليس الطلاب فقط، خاصة في ظل الأعباء النفسية والاقتصادية التي تفرضها على كاهلها باختلاف مستوياتها الافتصادية وأصبحت تمثل أزمة مزمنة في كل بيت يوجد به طالب ثانوية عامة!

في ظل هذا الواقع، يثور التساؤل عن سبب الرعب الذي تسببه الثانوية العامة في مصر وإلى متى يستمر ذلك الأمر؟

وحول هذا الموضوع وبمناسبة انعقاد امتحانات هذه الشهادة في الوقت الحالي، توجهت سفن إي نيوز إلى بعض خبراء الاجتماع والتربية والصحة النفسية لمعرفة الأسباب والعلاج في مواجهة أزمة الثانوية العامة.

معاناة شخصية

في البداية سألنا الدكتورة سامية الساعاتي أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، في مصر، عن هذه الظاهرة فبادرتنا قائلة: لقد عانيت شخصيا من متاعب الثانوية العامة وضغوطها بسبب اعتبارها عنق الزجاجة كما يروجون لها، وبسبب شحن الأساتذة للطلاب. 

سامية الساعاتيسامية الساعاتي

وأضافت -في تصريحات إلى «سفن إي نيوز»-: أذكر أن أحد مدرسيني بالمدرسة كان يحاول إشعال حماسي بطريقة خاطئة وأنا في هذه المرحلة وكان يقول لي «إذا ماطلعتيش الأولى ارم نفسك من أقرب شباك»، وهو أمر لا يصح أن يصدر من تربوي، فبعض المعلمين يحمسون الطلاب بطريقة فظيعة قد تتسبب في كوارث لو لم يكن الطلاب عاقلين! إنني لا أنسى الأوقات العصيبة التي عشتها قبل وبعد الامتحانات خوفا من عدم تحصيل الدرجات الكبيرة التي تمكننا من دخول الكلية التي أتمناها أو ما يسمى بكليات القمة. 

وتابعت: ومن واقع تجربتي هذه أقول إن التعامل مع الثانوية العامة سواء من قبل الآباء أو الأساتذة المفترض أنهم آباء أيضا للطلبة لابد وأن يتغير، وأنا أطلق على هذه الحالة «العزف على وتر قديم» لأننا نعايش هذه الظاهرة من سنوات كثيرة وللأسف لم يحدث فيها تغير اجتماعي ولا زلنا نتعامل معها بنفس الطريقة رغم تغير كل الأشياء من حولنا في هذا الكون، واستمرار الظاهرة حتى الآن يثبت أنها قوية. 

وذكرت: ونحن لا ننكر حق الطلاب والأهل أن يكون لهم طموح في إدراك النجاح وتحقيق التفوق ولكن بشرط عدم الضغط عليهم وتخويفهم من الفشل أوعدم الحصول على الدرجات لأن هذا الضغط يتسبب في بعض أحيان في حدوث مآسي إنسانية منها لجوء البعض للانتحار كما رأينا في السنوات الأخيرة.

طلاب الثانوية العامةطلاب الثانوية العامة - امتحان

وعن زيادة فجاجة الظاهرة مؤخرا قالت الساعاتي: لا شك بأن الإحساس بأزمة الثانوية العامة قد تزايد خلال السنوات الأخيرة مع ظهور المراكز التعليمية الخاصة لأن المدارس لم تعد تعلم وصار الاعتماد على الدروس الخصوصية وشيوع ما يسمى بـ«السنتر» وللأسف الشديد لم يتحرك أحد للإصلاح. فلابد من أن نراجع أنفسنا لنرى ما يحدث خاصة مع وجود عبء مادي ثقيل على الأسرة من جرائها وإن كان العبء النفسي على الطلاب يظل هو العبء الأخطر.

وحول العلاج المناسب من وجهة نظرها، تقول الدكتورة سامية الساعاتي، إن عمق الظاهرة يجعلها بحاجة إلى علاج جذري يتطلب بحث جميع عناصر العملية التعليمية في مرحلة الثانوية العامة، ولو كنت صاحبة قرار لاتخذت قرارات نابعة من نتائج دراسة حالة الطلاب والآباء والأساتذة للاقتراب من عناصر الظاهرة وليس الحديث عنها من بعيد كما يحدث الآن.

أمراض نفسجسمانية

وحول الأبعاد النفسية المرتبطة برعب الثانوية العامة لدى المصريين قالت الدكتورة شيماء عصام الخبيرة النفسية والتربوية، إن الثانوية العامة تمثل للأسف مشكلة كبيرة في مصر فقط وأصبحت تهدد الطلاب بالأزمات النفسية وصولا لمرحلة الانتحار في بعض الأحيان، وهناك ثلاثة عوامل تشترك في مسؤوليتها عن ذلك وتتمثل في البيت والمدرسة والنظام الدراسي. 

دكتورة شيماء عصامدكتورة شيماء عصام

وأضافت -في تصريحات إلى «سفن إي نيوز»-: أظن أن البيت هو أهم عنصر في المسألة لأنه مهما كان المدرس يضغط على الطالب ويحفزه للتفوق، فإننا كأسرة لهذا الطالب، يجب أن نتحلى بالوعي والهدوء حتى نخفف عنه ذلك الضغط الذي يفرضه عليه المعلم أو المدرسة خاصة ما يتعلق بمسألة المقارنة مع زملائه لأنها قاتلة لأي طالب، وأن نحاول تهدئته وتبسيط الأمر له لينظر لشهادة الثانوية العامة أنها مرحلة عادية جدا ولا تعني نهاية العالم. 

وتابعت: كما يجب علينا كأباء أن نوضح لأبنائنا أن ما بعد الثانوية العامة هو الأهم سواء كانت دراسته الجامعية أو مرحلة ما بعد التخرج والبحث عن عمل، ومن ثم يشعر الطالب أنها مجرد مرحلة انتقالية لما هو أهم.

طلاب الثانوية العامةطلاب الثانوية العامة

وتذكر دكتورة شيماء عصام واقعة لطالبة كانت متفوقة وأصابتها الثانوية العامة بانهيار وتقول: كلمتني إحدى الأمهات عن ابنتها التي كانت متفوقة جدا وتتميز بمعدل ذكاء مرتفع للغاية وناجحة في مجالات عديدة خارج إطار الدراسة وحاصلة على بطولات دولية في عدة ألعاب رياضية، ولكنها فجأة تغيرت وأصيبت باكتئاب حاد واستشعرت أنها ليست ذكية ولا تمتلك أي قدرات ولا تستحق أي شيء وتراجعت ثقتها بنفسها! ولما سألتها عن السبب أخبرتني أن الذي أوصلها لهذه الحالة هو فكرة الإجابة النموذجية التي يعتمد عليها النظام التعليمي عند تقييم إجابات الطلاب وأراها مصيبة كبرى عندما يطلب المدرس من تلميذته إجابة بعينها لأنها تمثل ضغطا كبيرا عليها بينما هي تعتمد على الفهم في إجابتها علما بأن المفترض هو الاطمئنان للفهم وليس الحفظ والتلقين!

وذكرت: أنصح الآباء أن يؤهلوا أولادهم جيدا لهذه المرحلة وعدم تخويفهم منها أو مطالبتهم بما يفوق قدراتهم لحمايتهم من الضغط والتوتر، ولابد أن يدركوا قدرات أبنائهم ومستوى ذكائهم ومجال تفوقهم الأكبر حتى يركزوا في العمل على تطويره حتى لو كان في مجال خارج إطار المدرسة لزرع الثقة في نفسه، ومن الطبيعي أن أطالب ابني بالنجاح لأنه لابد أن يكون مسؤولا عن المرحلة التي يمر بها ولكن بالقدر المناسب لإمكانياته وليس لما تريده الأم والأسرة ويجب مراعاة ذلك جيدا.

طلاب الثانوية العامةطلاب الثانوية العامة

وتواصل الدكتورة شيماء، أن هناك الكثير ممن تفوقوا في الثانوية العامة بطريقة الحفظ والتلقين تعرضوا للفشل الذريع في دراساتهم الجامعية وعدم إدراكهم لحقيقة قدراتهم ومجالات تفوقهم الحقيقية.

وتحذر الخبيرة النفسية المصرية من توابع وآثار ضغوط الثانوية العامة على صحة الطالب مشيرة إلى وجود أمراض يمكن أن يتعرض لها تحت هذا الضغط الكبير الذي يمر به، وقالت هناك أعراض النفس جسمانية المرضية التي يشكو فيها من كل أعضاء جسمه بسبب التوتر كما أن هناك متلازمة نتف الشعر التي تصيب بعض الطلاب في هذه الفترة العصيبة من حياتهم ويقومون بشد شعر رأسهم طول الوقت وقد يصاب بداء الثعلبة، ويصل الطالب لهذه الحالة حينما يعجز عن إخراج مشاعره ويفتقد لمن يسمعه بينما يجد نفسه مطالبا بالمذاكرة طول الوقت حتى في أثناء الأكل مما يجعله غير قادر حتى على التقاط أنفاسه.

وتهمس الدكتور شيماء عصام بنصيحة أخيرة للآباء والأمهات بأن يخففوا الضغط على أبنائهم ويسألون أنفسهم هل كل ما يهمهم هو الحصول على الشهادة حتى لو كانت على حساب ابنهم؟! وأنا أقول أن الأهم هو تربية ابنهم بطريقة تجعل شخصيته سوية وناجحة مع مراعاة قدراته النفسية والعقلية.