خاص رسام مصري يحول شوارع القرى إلى جداريات تشكيلية تحكى طقوس الحياة

حول واجهات المنازل القديمة وأكشاك الكهرباء للوحة فنية

25 عاما خطفته فيها أضواء القاهرة وزحامها، التى يعمل فيها معلما للتربية الفنية، فزيارات الرسام المصري أحمد الأسد، ذو الأربعين عاما، المتقطعة والعابرة لقريته "المخادمة" جنوب مصر، لرؤية والديه، لمدة يوم على الأكثر والعودة مرة أخرى، لم تكن محببة إليه، فالصعيد بسكونه وهدوؤه لم يجذبه كثيرا، إلا أن جائحة كورونا وما آلت إليه من تباعد اجتماعى، كانت سببا فى عودته لقريته، ليحولها إلى تحفة معمارية ولوحة بديعة المنظر، جاذبة لزوارها، بعدما زيين ما يزيد عن 80 منزلا من منازلها القديمة، بالمناظر الطبيعية كالمعابد والأهرامات والنيل والحياة الريفية القديمة بطقوسها الشعبية، لتصبح هذه الأعمال الفنية تاريخا جديدا يوثق على جدران المنازل.جداريات تشكيليةجداريات تشكيلية

أكشاك وأعمدة تحولت لجدارية فنية

"الفن يهذب النفس ويجعلها أكثر تسامحا" هذا ما يؤكد عليه "الأسد" من خلال تفاصيل رسوماته وأعماله الفنية على جدران وواجهات المنازل التى تجسد الحياة القديمة، والتى بدأها بمنزل مهجور تركه ساكنيه منذ عشرات السنين، فقد فيها كل مظاهر الحياة؛ لتعود له مرة أخرى برسومات حملت تفاصيلها خريطة القرية من جبال وزراعة وطقوس شعبية قديمة ومكانها وسط جيرانها من القرى، لتنطلق الفكرة وتعمم على كل المنازل بالقرية الصغيرة والقرى المجاورة لها وكل محافظات الصعيد، التى طالبت بأن تحظى بجمال قرية المخادمة، وتتحول أكشاك الكهرباء وأعمدة الإنارة والواجهات فيهم إلى لوحة فنية تعبر عن فكرة ما أو تاريخ يخص المكان.جداريات تشكيليةجداريات تشكيلية

المعابد الفرعونية تزين واجهات المنازل الصعيدية

سنوات طويلة عاشتها قرية "المخادمة" المبنى معظم منازلها بالطوب الطينى، والتى طالتها يد الزمان وظهرت على بنايتها الشقوق، تعانى من العزلة والهجرة الجماعية، فأسرة بعد أخري تهجرها للسكن بالمدينة، نتيجة لمنازلها القديمة البائسة المنظر، إلا إنها بين ليلة وضحاها، تحولت لتحفة فنية ولوحة تشكيلية بديعة، تزين واجهاتها المعابد الفرعونية والحياة الريفية بكل تفاصيلها، حتى الأكشاك الكهربائية والأعمدة أصبحت صورة من جدران وأعمدة المعابد الفرعونية، وأصبحت "المخادمة" قرية نموذجية جاذبة ليس لزوارها فقط وإنما لأهلها أيضا.جداريات تشكيليةجداريات تشكيلية

فكرة تجمع شباب القرية بعد عزلة كورونا

يحكى أحمد الأسد لـ"سفن إى نيوز" أنه منذ نحو 25 عاما وهو يعيش بالقاهرة ومتزوج ولديه ثلاث أبناء "أدم وحواء وحور" يعمل معلما بإحدى المدارس، وكانت زيارته لقريته فى صعيد مرة واحدة خلال العام لا تزيد عن يومين وذلك لرؤية والديه، ليعود بعدها مرة أخرى.

وقال: "لم أفكر فى الإقامة فى الصعيد ودائما ماكانت حالة من الخوف تسيطر عليا من التواجد فى الصعيد وكنت أتساءل "هشتغل إيه وهعمل إيه" حتى جاءت جائحة كورونا وأثناء فترة التباعد الاجتماعى وحظر الخروج من المنازل، راودته فكرة السفر لقريته والبقاء فيها، للهروب من عزلة القاهرة، إلا أن العزلة لازمته أيضا بقريته بين أهله، حتى جاءته فكرة الرسم على المنازل المهجورة بالقرية لتحويل واجهاتها وأعمدتها إلى لوحة فنية .جداريات تشكيليةجداريات تشكيلية

البداية بمنزل مهجور أقنع الأهالى بفنه

فى البداية لم تلق الفكرة ترحيبا من قبل الأهالى، حتى انتهائه من تزيين إحدى واجهات المنازل المهجورة، وحين شاهدوا الجمال فيها اقتنعوا بالفكرة، وأرسلوا أبنائهم لمشاركتى فى تزيين كل الواجهات بالقرية، حتى أصبح حديث صفحات التواصل الاجتماعى، وبعد الانتهاء من كل الواجهات بالقرية وأكشاكها الكهربائية، انطلقت الفكرة إلى القرى المجاورة، وطالبوه برسم واجهات منازلهم مثلما حدث فى قريته بالمناظر الطبيعية كالنيل والأهرامات والمعابد وطقوس الحياة الريفية وأشهر ما تتميز به كل قرية من زراعة أو حرفة أو حتى رسم خريطة القرية، ثم انتقلت الفكرة إلى المدينة التى معها حوُلت معظم أكشاك الكهرباء إلى لوحة فنية، ليكون الرسم والألوان أبلغ رسالة تقدم لأهالى الصعيد عن التسامح ونبذ العنف بعدما أصبحت المنازل متحفا مفتوحا للجميع.جداريات تشكيليةجداريات تشكيلية

بالفن نحارب كورونا

ويشير "الأسد" إلي أن فكرته من البداية قائمة علي شعار "بالفن نحارب كورونا"، لذلك استعان بالشباب والأطفال وكل من لديه موهبة، وقاموا بشراء المواد المستخدمة فى تزيين الشوارع وتجميلها، وذلك لإخراج طاقات الشباب والأطفال فى شيء إيجابى مفيد للجميع، ولذلك حدثت حالة حراك كبيرة داخل القرية، اجتمع الجميع من رجال ونساء وأطفال على مساندة الفكرة ودعمها معنويا بعدما شاهدوا بأعينهم حجم التغيير الذى حدث بالقرية، فمعظم أبناء الصعيد لا يهتموا بالفن ورسالته، فأى عمل مرتبط بما يدره من دخل مادى، ولكن الآن تغيرت فكرة أهالى قريتى للفن وأصبح الكثيرون يشجعون أبناءهم على مواهبهم خاصة الفنية منها.جداريات تشكيليةجداريات تشكيلية

تحديات وصعوبات واجهة فكرة التغيير

وحول الصعوبات والمعوقات التى واجهته فى فكرته أوضح، بأن أبرز الصعوبات فى البداية كانت تعامل واقتناع الأهالى بالفكرة وهذه كانت أكبر التحديات، ولكن ذلك تغير بعد الانتهاء من أعمال أول منزل والصورة الجمالية التى أصبحت فى مخيلة كل شخص شاهده، كذلك البيوت الطينية كانت من التحديات حيث أنها تحتاج إلى تعامل خاص كونها لا تقبل الألوان الزيتية بسهولة، ولكن كل ذلك تلاشى الآن وأصبح الجميع خاصة فى القرى يطالبون بتزيين قراهم وكذلك الأمر فى المدن.جداريات تشكيليةجداريات تشكيلية

تكريم محافظ الإقليم

بعدما ذيع صيت الرسام الصعيدى على صفحات التواصل الاجتماعى، قام محافظ قنا بتكريمه بداخل قريته ووسط أهالى قريته واستعان به لتجميل الجداريات والحوائط والأكشاك الكهربائية فى شوارع المدينة، وبعدها استعان به عدد من المؤسسات الحكومية فى عمل لوحات فنية على بنايتها، حتى رسم العشرات من الأكشاك فى طريق الكباش بمحافظة الأقصر، وعدد كبير من حوائط المدارس بمحافظة البحر الأحمر.جداريات تشكيليةجداريات تشكيلية

لكل جدارية فكرة وحكاية

وعن الرسومات على الجدران أوضح الأسد، أن لكل حائط أو كشك فكرة تنفذ عليه لتحكى تفاصيل معينة ، فهناك ما يرسم عليه الحياة الريفية البسيطة مثل سيدة تحمل قلة ومتواجدة بين الزراعات وأخرى عليها صورة قطار وغيرها الأهرامات والنيل والمعابد أو المراكب وغيرها، لافتا أن الجدارية تستغرق من ثلاثة أيام إلى أسبوع لانتهاء منها والبداية فى أخرى غيرها.جداريات تشكيليةجداريات تشكيلية

مركز إبداعى للموهوبين بالصعيد

يحرص الأسد حاليا على تعليم الأطفال فنون الرسم والتلوين قائلا: "حلمى أعمل مركز للمبدعين والموهوبين فى صعيد مصر، يجمع كل المبدعين فى كل الفنون، فالرسم وجميع الفنون هى قوة مصر الناعمة، ونحن فى الصعيد بحاجة إلى مركز إبداعى يكون مشروع قومى لتعليم النشء وإخراج ما بداخلهم من طاقة، لذلك أناشد الجميع بدعم الفكرة".