"الضاحك الباكى" لقب صاحب صانع البهجة الذي استطاع رغم ملامحه الحزينة أن يرسم الابتسامة والضحكة في القلوب قبل قبل الوجوه.
الفنان الشامل نجيب الريحاني الذي يمر على رحيله اليوم 73 عاماً، والذي كان سابقا لعصره وغيره في كل شئ، حتى في رثاء نفسه فالرجل الذي اضحكنا وأبكانا رثى نفسه قبل وفاته بأيام قائلا "مات الريحاني في ستين الف سلامة".
"نجيب إلياس ريحانة" الذي ُولد لأب عراقي يتاجر بالخيول العربية، وأم مصرية، قضى طفولته في وسط القاهرة بحي باب الشعرية، ثم انتقل لحي "الظاهر" القريب من معظم مسارح القاهرة ببدايات القرن الماضي، وكان لذلك الأثر الأكبر في اهتمام الطفل نجيب بالفن، وخصوصًا أنه كان ملما باللغة الفرنسية لتعليمية بمدرسة الفرير، وحصوله على البكالوريا والتي كانت تؤهل للجامعة، ولكن لظروف والده المالية اكتفى بتلك الشهادة، ليبحث عن عمل يساعد به عائلته، لتبدأ المعاناة بصور متعددة حتى بلغ من العمر 30 عامًا.
وقبل أن يصل لمنتصف العمر، عمل نجيب الريحاني، بشركة السكر بمدينة نجع حمادي مرتين بفترتين متباعدتين، الأولى تم الاستغناء عنه بسبب استهتاره، والثانية قدم استقالته، بعدما قرر أن يحترف الفن تحت أي ظروف، وخلال تلك الفترة اختلف مع والدته بسبب عدم عمله، مما أجبره على ترك بيت عائلته والتنقل بين المسارح والكباريهات الفنية بمنطقة وسط البلد، وعمل بتلك الفترة مع "عزيز عيد" زميله بشركة السكر كومبارس بدار الأوبرا مع الفرق الأجنبية التي كانت تقدم عروضها فترة الشتاء فقط، وأول مسرحية اشترك فيها الريحاني كانت "الملك يلهو" بجانب كبار الفنانين الفرنسيين، واستمر ذلك لمدة موسم واحد قبل أن يقرر صديقه عزيز عيد، تكوين فرقة مسرحية خاصة تقدم الأعمال العالمية، وقام بنفسه بتعريبها، ومع أن اسكتشاته كانت تعتمد على الكوميديا إلا أن ذلك لم يغر الريحاني بالاستمرار، وذلك لأنه كان يبحث عن الدراما الجادة والتي انقلب عليها فيما بعد.
جسد في أول أدواره الهامة بحياته شخصية الإمبراطور الأوروبي شارلمان، وكان تألقه بهذا الدور سببًا مباشرا لفصله من الفرقة لأن نجاحه بالدور الثانوي تعدى دور البطل الذي كان يقوم به صاحب الفرقة.
ومع عودة الريحاني للقاهرة من جديد وحتى لا يكرر إحباطات الماضي والنوم أسفل كوبري قصر النيل، لم يجد سوى القيام بترجمة المسرحيات العالمية لفرقة الشيخ "أحمد الشامي" المتنقلة والتي كانت تجبره على التجول معهم والنوم على الأرض بجانب المسرح المصنوع من ألواح خشبية أعلى براميل معدنية، كما أن راتبه كان عبارة عن لبن وبيض، ثم قرر العودة للعمل بمصنع السكر من جديد، وبعد عامين متتاليين، كاد أن يقدم استقالته ليشارك مع فرقة "جورج أبيض" العائد من باريس، ولكن معاناة الماضي جعلته يستمر في عمله عامين أخرين ، على الرغم من عدم التحاقه بأي فرقة مسرحية، ليعود إلى الجلوس على المقاهي من جديد، وبعد بضع شهور من اللا عمل واللا حياة وجد الريحاني أمامه "استيفان روستي" صديقه السابق بفرقة عزيز عيد، والذي كان يعمل كخيال ظل بملهى ليلي يملكه يوناني، ومن هنا بدأت مرحلة جديدة مبدعة للريحاني.
وقد بدأ عمل الريحاني في ملهي "الأبيه دي روز" من خلف الستارة البيضاء كخيال ظل بدور صبي راقصة تؤدي المواقف الكوميدية والمغرية، وحاول الريحاني مع استيفان تقديم كوميديا باللغة الفرنسية من فصل واحد أمام جماهير الملهى، ولكن توقفا سريعا لعدم متابعة أحد من الرواد لهما.
لم يدم توقف الضاحك الباكي طويلاً فسرعان ما قام بالشراكة مع الخواجة "ديمو كونجاس" بشراء مقهى ُحولت إلى مسرح أسموه "مسرح الإجيبيسيانية"، والذي حمل اسمه لاحقا، التي قدمت عليه عروض استثنائية كانت نقطة تحول في تاريخ الفن الاستعراضي المصري والعربي، ولاسيما بكونهم أول من استعان بفرقة راقصات استعراضية أجنبية. وقام الريحاني مع فرقته بجولات عديدة في الجزائر وتونس وبعد غياب 18 شهرا عن المسرح قرر العودة إليه ولاقت عروضه ومسرحياته التي كان يؤلفها صديقه بديع خيري نجاحا كبيرا، لقربها من الناس ومشاكلهم وحياتهم، مثل "الشايب لما يتدلع"، حتى آخر مسرحياته "حسن ومرقص وكوهين".
اعتزل الريحاني المسرح وفي جعبته أكثر من 50 عملا مسرحيا منها 33 مع صديقه بديع خيري، إضافة لـ 6 أوبريتات أشهرها "الشاطر حسن". ثم عاد إلى السينما مقدما أعمالا هامة رغم أن إنتاجه السينمائي لم يتجاوز 10 أفلام تضمنت صاحب السعادة كشكش بيه وسلامة في خير وسي عمر وابوحلموس.
التقى «الريحانى» بالراقصة اللبنانية "بديعة مصابنى"، والتى كانت تعمل فى إحدى الفرق التمثيلية، واصطحبها إلى مصر وتزوجا وسافرا مع فرقتهما إلى أمريكا الجنوبية لتقديم عدد من العروض المسرحية، وافتتحت «كازينو بديعة»، وأسست فرقتها المسرحية والتى تحمل اسمها، ولكن لم تدم العلاقة بينهما على وفاق، واشتد الخلاف بينهما مما جعلها تطلب الطلاق. كما تزوج الريحانى أيضًا من نجمة الاستعراضات بفرقته، لوسى دى فرناى، الفرنسية من أصل ألمانى، وأنجب منها ابنته جينا.
كان آخر أفلامه «غزل البنات» أمام ليلى مراد، ويوسف وهبي، وإخراج أنور وجدي، حيث رحل "استاذ حمام" قبل استكمال مشاهده فاضطر أنور وجدي أن يغير النهاية الذي كان يتضمن ذهابه إلى "بيت الباشا" ليطلب يد ليلى مراد.
وقبل رحيل نجيب الريحاني بعدة أيام، قام برثاء نفسه حال وفاته، وكتب قائلًا: "مات نجيب، مات الرجل الذي اشتكى منه طوب الأرض وطوب السماء، إذا كان للسماء طوب. مات نجيب الذي لا يعجبه العجب ولا الصيام في رجب، مات الرجل الذي لا يعرف إلا الصراحة في زمن النفاق ولم يعرف إلا البحبوحة في زمن البخل والشح.مات الريحاني في 60 ألف سلامة".