الشيخ إمام.. مزيج من الفن والثورة الخالدة

أول طفل يعيش لأسرته من الذكور وفقد بصره بسبب الوصفات البلدية

"يسبق كلامنا سلامنا يطوف ع السامعين معنا.. عصفور محندق يزقزق كلام موزون وله معنى"

"عن أرض سمرا و قمرة وضفة ونهر ومراكب، ورفاق مسيرة عسيرة وصورة حشد ومواكب"

"في عيون صبية بهية عليها الكلمة والمعنى"، ليست مجرد مقاطع بسيط من رائعة "مصر يا أمَّه يا بهية"، بل هي حالة من حالات "الشيخ إمام" الذي تسمعه يغني للحب والوطن والحياة بنفس الحالة الحماسية المتكاملة التي تأسر المستمع وتأخذه بعيداً وكأنها تحلق به نحو السماء من دفء الألحان والكلمات والأداء.

الشيخ إمامالشيخ إمام

أول طفل يعيش لأسرته من الذكور وفقد بصره بسبب الوصفات البلدية 

27 عاماً مرت على رحيل الشيخ إمام المصري الأصيل ابن قرية أبو النمرس بمحافظة الجيزة، إمام محمد أحمد عيسى أول طفل يعيش من الذكور لأسرته حيث مات قبله سبعة، وجاء من بعده أخ وأخت.

أصيب في السنة الأولى من عمره بالرمد الحبيبي وفقد بصره الذي أضاعه الوصفات البلدية التي استخدموها لعلاج عينه، وقد قضى فترة طفولته في حفظ آيات القرآن الكريم على يد الشيخ عبد القادر ندا رئيس الجمعية الشرعية بأبي النمرس.

كان والده يحلم أن يصبح ابنه شيخاً لذا اتبع القسوة والصرامة منهجاً تربوياً رأى فيه ضرورة لتحقيق الحلم، لذا عوضته الأم بحنانها.

وقد أنعم الله على إمام بـ"أذن موسيقية" عوضته فقد البصر، فكان يلتقط الألحان والغناء والأهازيج التي كانت تتغنى بها النساء في الأفراح.الشيخ إمامالشيخ إمام

عاقبه والده بسبب الشيخ محمد رفعت 

كان يحب الاستماع للقرآن بصوت الشيخ محمد رفعت، ولأن الجمعية كانت تمنع الاستماع للإذاعة، قررت فصله، فضربه أبوه وحذره من العودة إلى القرية بسبب الجريمة التي اقترفها كما يصنفها هو، وقد ماتت والدته بعدها ولم يتمكن من تشييعها لقبرها أو توديعها بسبب منع الأب، فلم يعد إلى القرية إلا حين مات أبوه.

استغنى عنه الشيخ زكريا أحمد والسبب أغاني أم كلثوم 

في إحدى زياراته لحى الغورية قابل مجموعة من أهالي قريته فأقام معهم وامتهن الإنشاد وتلاوة القرآن الكريم، حتى التقى بالشيخ درويش الحريري أحد كبار علماء الموسيقى، وأعجب به الشيخ الحريري بمجرد سماع صوته، وتولى تعليمه الموسيقى.

اصطحبه بعد ذلك جلسات الإنشاد والطرب، فذاع صيته وتعرف على كبار المطربين والمقرئين، أمثال زكريا أحمد والشيخ محمود صبح.

وفى منتصف الثلاثينيات كان الشيخ إمام قد تعرف على الشيخ زكريا أحمد عن طريق الشيخ الحريري، وقد استعان به الشيخ زكريا في حفظ الألحان الجديدة واكتشاف نقط الضعف بها، حيث كان "زكريا أحمد" ملولاً، لا يحب الحفظ فاستمر معه إمام طويلا، وكان يحفظ ألحانه لأم كلثوم قبل أن تغنيها.الشيخ إمامالشيخ إمام

حتى إن ألحان زكريا أحمد لأم كلثوم بدأت تتسرب للناس قبل أن تغنيها أم كلثوم، مثل "أهل الهوى" و"أنا في انتظارك" وغيرها، لذلك قرر الشيخ زكريا الاستغناء عن الشيخ إمام، الأمر الذي تبدل بسببه حياة إمام الذي قرر تعلم العزف على العود، وبدأ التفكير في التلحين، فقام بتأليف كلمات وقام بتلحينها، فابتعد عن القرآن واحترف الغناء.

شكَّل مع أحمد فؤاد نجم ثنائية فنية عبقرية و"محمد علي" أصبح ثالثهم

وقد التقى "إمام" بأحمد فؤاد نجم رفيق دربه عام 1962، حيث كان ابن عم نجم جاراً للشيخ إمام، حيث تبادلا الحديث ذات مرة وسأله نجم عن سبب عدم قيامه بالتلحين، فقال له إمام أنه لا يجد كلاماً يشجعه على ذلك، وكان هذا الكلام بمثابة البوابة التي عبر منها الثنائي المختلف إلى عالم جديد كانوا هم أبطاله.

فقد كونَّا معاً ثنائية عبقرية ذاع صيتها والتف حولهم كوكبة المثقفين والفنانين خاصة بعد نجاح أغنية "أنا أتوب عن حبك أنت" و"عشق الصبايا" و"ساعة العصاري"، واتسعت الشركة فضمت عازف الإيقاع محمد علي، فأصبحوا بمثابة فرقة ثلاثية تأليف وتلحين وغناء، ولم تقتصر فقط على أشعار نجم بل ساعدهم آخرين أمثال: سيد حجاب ونجيب سرور وفؤاد قاعود وزين العابدين فؤاد وغيرهم.

وفي فترة لاحقة تحديداً بعد يونيو 1967 تمكن إمام ونجم من حشد الجماهير وبث الانتفاضة والصحوة في نفوسهم بأغنيات وطنية مثل مصر يا أمَّه يا بهية.

وفي منتصف الثمانينات تلقى الشيخ إمام دعوة من وزارة الثقافة الفرنسية لإحياء حفلات هناك، وقد بدأ بعدها في جولة شملت عدد من الدول العربية والأوروبية حققت جميعها نجاحاً ساحقاً، وخلال هذه الفترة ظهرت بعض الخلافات بين الثلاثي ولم تنته تلك الخلافات إلا قبل رحيل الشيخ إمام بفترة قصيرة. الشيخ إمامالشيخ إمام

اختار العزلة في آخر حياته وتوفى في الغورية 

ومن جماهيرية وشعبية إلى عزلة ووحدة اخترها لنفسه في التسعينات حيث لازم بيته بحي الغورية ولم يعد يظهر كثيراً حتى توفى يوم 7 يونيو 1995.