كائنات الألفية الثالثة التي يقدمها الفنان التشكيلي العراقي سنان حسين تختزل في إطار واحد التاريخ والأسطورة، الجادّين والمهرجين، الحاسرين الرؤوس والمقنّعين الأوجه، الحقائق المجرّدة والخيالات المحلقة، العشاق المجانين والأُسَر بأفرادها تجمعهم علاقات كونية جديدة، أدوات الماضي وآلات الحياة اليومية العصرية، الأرض الثابتة والخلفية الوهمية، وهي كما جاء في عناوين أحد معارضه «مجرد رحلة» لكنها رحلة تستحق التأمل، من بغداد العراق إلى لوس أنجلوس الولايات المتحدة.
الفنان سنان حسين وسط أعماله
هكذا استطاع سنان حسين أن يخلق كونه الخاص، بكائناته وحكاياتهم المنفتحة على التأويل، يهزل بريشة الفاتازيا الرشيقة، ويلهو بألوان المرح الصاخب، وما على المتلقي إلا أن يبحث عن دلالاته الخاصة، وتفسيراته المشتقة من ثقافته النوعية.
فابن الرافدين لا يقدم لنا قسْرا الإجابات، بل يثير الأسئلة.
هذا هو الفن الذي يرقى من الرسم المباشر - كما توحي لوحاته الساخرة - إلى عمق يتجاوز مدارس فنية عديدة. إنه يحول المجهول والمنسي في الذاكرة إلى فلاشات ساطعة وموحية تسقط على واقع مرير، فينبت البهجة حين يوقظ فينا بتصاويره تلك الذكريات.
فلاشات ساطعة وموحية تسقط على واقع مرير
بمناسبة معرضه هذا الأسبوع في برلين، يأتي حواري معه اليوم:
لكل مشروع حالة معنية اختصت به، الزمن الذي يسير بخطى مسرعة جدًّا، المعاصرة تعني الحياة اليومية الذي نعاصرها، من العولمة للرأسمالية للأوبئة، الترف.. الفقر.. التهجير.. إلخ، لذلك تأتي بشكل مشاريع أو معارض مختلفة؛ ولكن يبقى محورها أو اللاعب المؤثر فيها هو الإنسان، فهو المحرك للحدث القائم داخل اللوحة وخارجها أيضا، لذلك يبقى هو الإنسان نفسه في تشابهه ويبقى الحدث المؤثر هو المتغير.
الزمن الذي يسير بخطى مسرعة جدًّا
نحن نعيش بهذا العالم، الذي أصبح صغير جداً، حيث الإنسان هو محور هذه الحياة وغير ذلك يأتي تاليا، أو بعده، حيث أصبحت باقي المخلوقات تستمر ليعيش الإنسان، إنه الصراع القائم بين الإنسان المتهور المتناقض والكائنات الحية التي تعاني كي يعيش الإنسان.
صراع بالأسود والأبيض
عائلة كاكي تحذير للإنسان بأن الكثير من الحيوانات باتت تنقرض بسبب الكثير من الأفعال السيئة المضرة لهم
كاكي هو كائن مركّب من بعض الحيوانات التي ستنقرض: الكوالا، الباندا، وغيرهما. وجود كاكي هو تحذير للإنسان بأن الكثير من الحيوانات باتت تنقرض بسبب الكثير من الأفعال السيئة المضرة لهم، حيث هو محذر بكل ظهور له، لكل حدث مسيء من الإنسان من حرائق الغابات إلى القتل الجماعي للحيوانات، كذلك التجارب الكيميائية لصناعة مساحيق التجميل، زراعة أعضاء الحيوان، تدمير البحار، إلخ، لذلك خلق كاكي!
كاكي: كائن مركّب من بعض الحيوانات التي ستنقرض: الكوالا، الباندا، وغيرهما
المشاهد يشعر أن العمل مسرح وفي صراع مع المكان
بالتأكيد لأني أحاول دائما نقل كل ماهو حي ومعاصر، الحياة هي مسرح كبير والبطل المسيطر هو الإنسان، لذالك كل المفردات التي تجدها داخل العمل موجوده في الحياة، ولها فلسفتها الخاصة التي تواكب المعاصرة المسيطرة على الواقع المستمر.
أعمال الفنان سنان حسين
كذلك توزيع الكائنات والمفردات يأتي عن طريق تناغم ما بين اللون والخط والكتلة، الإيقاع الإنشائي للعمل يكون بشكل ارتجالي ومستساغ للناظر، يجعل المشاهد في حالة علاقة مستمرة بينه وبين العمل، حيث يشكل ذاته بتناسق تام من شخصيات العمل وكأنه هو البطل، لذلك تجد المشاهد يشعر أن العمل مسرح وفي صراع مع المكان.
توزيع الكائنات والمفردات يأتي عن طريق تناغم ما بين اللون والخط والكتلة
قدمت عدة معارض معنية بالرأسمالية وكيف يتم اقتياد الإنسان لهذه الهاوية الكبيرة، من سنة 2012 من معرض (تناغم بشري) في دبي إلى هذه اللحظة تجد بأعمالي رموزا وإشارات تهكم ضد الرأسمالية، ابتداء من جذورها الكلاسيكية في القرن السادس عشر حتى الآن.
كيف يتم اقتياد الإنسان لهذه الهاوية الكبيرة
السيطرة المستمرة على المجتمع، واندثار العقائد، وتصديع المجتمع، وتحويل الأموال لأشخاص معنيين، واستدراج كافه متطلبات العولمة لتكوين زيف جديد بأطر الحرية والديمقراطية، لتفكيك عدد أكبر من النظم المستدامة؛ هو الميزان الذي يربط العالم بخوف من المجهول، والقائم تحت أساس مكسب يخص شريحة محددة جداً.
أصبح الدوران الهائل يصب كل ما يخرج منهم يعود إليهم، كذلك في الفن: سيطرت القاعات والمتاحف المنتجة لفن معين فقط لمن يسمحون لهم، أو من أجل زراعة فن ينتج رأس المال.
معرضي الجديد (مجرد خوف) هو خوف من الماضي؛ وهو الخوف من المستقبل، أصبحنا مؤمنين بكلمة خوف التي أصبحت متلازمة معنا منذ الصغر؛ الخوف من الموت ومن الحياة ومن الدين ومن كل شيء، كل هذا مترابط مع الحياة المعاصرة والرأسمالية والعولمة وسرعتها، لذلك، خُلق كاكي من الخوف؛ حيث المجهول ينتظر هذه الكائنات، كاكي المتخفي دائما والمتهكم لكل ما يحدث بهذا الكون، وهو المسالم المتخدر، الذي وجد مزروعا من بقايا زراعة الحيوان، وهو المتخفي بين الأشجار المتبقية في الغابات قبل أن تزال وتختفي أو تحترق، كائن يتحول ليكون بشريا يطالب بحقوق الكثيرين، عاصر الحدث ليكون شاهدا على أي مأساة قد تحدث.
سنان حسين
في شهادة فنية مبكرة كتب لي سنان كيف يتكون التعبير ويظهر المنطق في تعدد الملامح لإيجاد شكل مغاير، يحيلنا لبناء مفهوم جديد بما له علاقة بإشكالية جديدة، وفهم لفلسفة الجسد، وخاصة الدهشة التي يعبّر بها المجتمع الآن عن ذواته وأطروحاته المروع.
العنف يسيطر على عالمنا المعاصر
فالجسد –عند سنان حسين- ليس كامل مفهوم الجسد المرئي وإنما هو جسد مركّب برأس حمار، أو رأس ثور.. أو غيرهما، ويكتمل الجسد بأطراف أخرى يمكن أن تكون جمادًا. هذا هو جسد الإنسان الآن بمجتمعنا الحديث.
يمر الزمن ويبني تراكمات لهالة مفادها التعبير لكل خط أو تكوّر أو تقعر تعنيها الحياة والزمن يظهر بهذا الحيز وهو الجسد المشكل.
الفنان التشكيلي سنان حسين يقدم رؤيته للجمهور
جمهور أحد معارض الفنان التشكيلي سنان حسين
جمهور أحد معارض الفنان التشكيلي سنان حسين
الزمن الذي يسير بخطى مسرعة جدًّا
أما عن ملامح وجه لوحتي فهي ذاتي بتعدد أشكالها منذ طفولتي وجدران المدينة القديمة ترسم تلك الأجساد المتطايره كأحلام الطفولة والأرواح المتراكمة منذ عهد قديم، شخصيات مر بها هذا الزمن لأجد وجوهًا تتشابه بتشابه الجدران المُحطمة المعتَّقة بروح التناغم اللوني وهذا ما أجد فيه ما هو غائب، فالحقيقة نصف غائبة دائما، تراودني أحلام المدن المهجورة والشخوص التي دونها التاريخ، كل شيء له علاقة بهذا الحاضر فالزمن يتكرر والأرواح هي من تعيد تلك التواريخ.
يختتم سنان: المجتمع الحديث لوحة متنقلة؛ فكل مكان هو لوحة، وتأتي مسرحة أعمالي من خلال هذا المجتمع المتفسخ. أرسم بألوان التراب الذي خرجت منه وسأعود إليه، رصاصيات العتق، وبعض من الألوان المعجونة بيدي أضعها محشورة داخل غرفة أو حمام لا يوجد به ماء، معزولة بإشارات المرور كي لا يستدل على وجودها أحد!
المجتمع الحديث لوحة متنقلة؛ وكل مكان هو لوحة