كان واحداً من أشهر الأدباء الساخرين في العالم، وأكثرهم إثارة للجدل، وقد أطلق عليه مؤرخو الأدب لقب «فيلسوف التنوير»، فقد كان سابقاً لعصره وأوانه عندما أسهم في التصدي بقلمه وأفكاره وثقافته للأفكار المتزمتة في ذلك الزمن، إنه الأديب والفيلسوف الفرنسي فولتير، الذي يمر اليوم على رحيله 244 عاما.
ولِد فرانسوا ماري أرويه، الشهير ﺑ«فولتير» في باريس عام 1694، وكان الأخ الأصغر ضمن خمسة أطفال، والطفل الوحيد الذي عاش بينهم، لأب كان يعمل موثقًا عامًا وموظفًا في وزارة المالية، فيما كانت والدته ماري دو مارت تشتهر بجمالها وذكائها، وهي تنحدر من أصول أرستقراطية نبيلة، ومنها ورث فولتير ترفعه عن الصغائر وحسه الأدبي الساخر، حيث أنشد فولتير الشعر وهو ما يزال طفلاً في سن الثالثة، وكتب تراجيديا شعرية فــي عامه الثاني عشر.
وبعد أن أنهى دراسته، أراد أن يصبح كاتبًا، على عكس رغبة أبيه حيث أراد له أن يدرس القانون كعادة أبناء الطبقة الأرستقراطية في باريس وقتها، وأرسله والده إلى باريس للعمل في مهنة «مساعد محامِ» لكنه كان يقضي معظم وقته في كتابة الشعر الهجائي الذي استهدف مشاهير عصره، فأوقعه ذلك في متاعب مع السلطات، فشعرت أسرته بأنه يقضي على مستقبله بنفسه، وعندما اكتشف والده الأمر أرسله لدراسة القانون؛ ولكن هذه المرة في المقاطعات الفرنسية البعيدة عن العاصمة.
لم تكن علاقة الكاتب بأبيه جيدة، لأنه كان يحاول إثناءه عن الاشتغال بالأدب، وإجباره على العمل المهني. ولكي يظهر رفضه لقيم ومبادئ أبيه، تبرّأ في مطلع حياته الأدبية من اسم عائلته وتبنّى اسم فولتير إلى الأبد.
ودرات معظم السنوات الأولى من حياة فولتير في فلك واحد وهو العاصمة الفرنسية باريس، ودخل في مشكلات مع السلطات بسبب هجومه اللاذع المتحمس على الحكومة، وأدت به هذه الأنشطة إلى التعرض مرات عديدة للسجن، منها 11 شهرا متصلة في سجن «الباستيل» الشهير، وتفاخر ا فولتير فيما بعد، بأن زنزانته أعطته الوقت ليفكر بهدوء.
الأديب الفرنسي فولتير
أصبح فولتير ثرياً بطريقة غريبة، من خلال استغلاله لخلل في "اليانصيب الوطني الفرنسي"،وتعرض للسجن مرة أخرى لفترة قصيرة في «الباستيل» عام 1726 بسبب خلافاته مع أحد الأرستقراطيين، ولكي يهرب من هذه المتاعب المستمرة، نفى نفسه طواعية إلى انجلترا حيث بقي هناك لمدة 3 سنوات.
كان الرجل كاتباً استثنائيا، غزير الإنتاج، حيث كتب أكثر من 50 مسرحية، وعشرات الأطروحات عن العلوم، والسياسة، والفلسفة، والعديد من الكتب التاريخية التي تحوي معلومات عن كل شيء بدءاً بالإمبراطورية الروسية إلى البرلمان الفرنسي، كتب أكثر من 20 ألف خطاب إلى أصدقائه ومعاصريه في ذلك الوقت، وكان يمضي حوالي 18 ساعة يومياً في الكتابة، ويشرب كميات كبيرة جداً من القهوة تصل إلى 40 كوبا في اليوم.
وتم حظر العديد من أعمال فولتير المشهورة خصوصا المتعلقة منها بالدين ونظام العدالة الفرنسي، حتى إن الحكومة الفرنسية وقتها كانت تطلب كتبا معينة من مؤلفاته لتحرقها، إلا أن الكثير من أعماله تمت كتابتها في الخارج للتهرب من هذه الرقابة حتى أنه نشر مؤلفاته تحت أسماء مستعارة.
وترك فولتير الكثير من الأعمال والكتابات المثيرة للجدل، مثل رواية «أوديب» وهي أول أعماله المسرحية، ومن أعماله أيضًا روايته الأكثر شهرة «كانديد» و«التفاؤل»، وقصته «صادق» التي ترجمها الدكتور طه حسين إلى اللغة العربية، ثُم كتاب "قاموس عن الفلسفة المحمولة" وهو أكثر أعماله الفلسفية أهمية، وينتقد فيه الكنيسة الرومانية الكاثوليكية.
وبعد حياة حافلة بالأحداث والمعارك، تُوفِي فولتير عام 1778 في باريس، عن عمر مديد بلغ 84 سنة، ورفضت الكنيسة إقامةَ صلاة على جثمانه، فَدُفن سرا في إحدى الكنائس، وتعرضت رفاته للنهب من قبل بعض المتعصبين للكنيسة، باعتباره كان أحد أعدى أعدائها على الإطلاق
وكُتب على اللافتة التي تعلو قبره: «هنا يرقد رجل حارب الملحدين والمتزمتين معا، وأوحى في كل كتاباته بروح التسامح، وطالب بحقوق الإنسان ضد العبودية ونظام الإقطاع، وجعل آفاق النفس البشرية تتسع وتتعلم معنى كلمة الحرية».
ورُد اعتبار فولتير كأديب ومفكر من أهم رواد عصر التنوير الأوروبي فيما بعد على أعلى المستويات، حيث اعتبرته الجمعية الوطنية الفرنسية، بعد أعوام طويلة من وفاته بطلا قوميا، وأحد أهم المبشرين بالثورة الفرنسية الكبرى، فجمعوا رُفاتَه وبُنِي له نصب تذكاري في مقبرة العظماء «البانثيون».