خاص متحف الفن الأفريقي في جيجو: حوار ثقافي مع كوريا

لوحاتٌ عملاقة للحياة اليومية، ومجسمات فاتنة للأقنعة الخشبية، أسِنّة رماح معدنية وأزياء جلدية مطرزة، قدور من الفخار وتماثيل من العاج، ومقاعد جلس عليها ذات يوم كبار القبيلة، وسوق كبيرة للهدايا التذكارية.

أسنة حراب وأسلحة صيد إفريقيةأسنة حراب وأسلحة صيد إفريقيةأشرف أبو اليزيد أمام أحد جدران المتحفأشرف أبو اليزيد أمام أحد جدران المتحف

أجواء تنقلك لها تلك الجزيرة التي هبطت بها طائرتك، فكأنها ركبت آلة الزمن، لترسلك إلى إفريقيا، وكنت تظن أنك لا تزال في كوريا الجنوبية!

بدأت الحكاية أمس، وأنا أرتب قسم الكتب الإفريقية في مكتبتي، حين عثرت على ألبوم مصور يحمل توقيع الدكتور تشونج هوون هان، عنوانه «متحف الفن الأفريقي».

الدكتور تشونج هوون هان مؤسس متحف الفن الأفريقي في جيجوالدكتور تشونج هوون هان مؤسس متحف الفن الأفريقي في جيجو

تذكرت أنني زرت ذلك المتحف مرتين، لكن المرة الأولى التي التقيت فيها «هان» كانت فارقة، فبحثت عن صورها، لأقدمها لكم.

العمارة الأصلية للمسجد الكبير في جينيه، مالي، التي استلهمتها عمارة المتحف الأفريقيالدكتور تشونج هوون هان وأشرف أبو اليزيد أمام المتحف

حين وصلنا إلى الجزيرة، وأقمنا بفندقها الكبير، تحركنا في الصباح إلى أحد أشهر معالمها؛ متحف الفن الأفريقي في مدينة سيوجويبو، أصابنا الذهول ونحن نستشرف واجهته؛ فعمارته كانت نسخة طبق الأصل من أكبر مبنى طيني في العالم، المسجد الكبير في حينيه، بجمهورية مالي.

العمارة الأصلية للمسجد الكبير في جينيه - مالي التي استلهمتها عمارة المتحف الأفريقيالعمارة الأصلية للمسجد الكبير في جينيه - مالي التي استلهمتها عمارة المتحف الأفريقي

دخلنا المتحف على صوت للطبول التقليدية والغناء الإيقاعي. 

إحدى قاعات المتحفإحدى قاعات المتحف

وفي الطريق إلى الطابق السفلي للمتحف، كان هناك أربعة أفارقة على خشبة مسرح ذات إضاءة خافتة، وكأنها مشهد وثائقي تزينها لوحة جدارية لرحلة سفاري أفريقية.

سفاري أفريقي ورحالة كوريون بصحبة الدكتور تشونج هوون هانسفاري أفريقي ورحالة كوريون بصحبة الدكتور تشونج هوون هان

كانت الجدران المنقوشة بالأسود تنقل صور المسجد الأصلي، والأزياء الإفريقية، والقطع التي لا تحصى من المقتنيات، وكميات هائلة، تجعلك تتساءل كيف سافرت إلى جزيرة جيجو؟

تأسس المتحف في الأصل في سيول، كما قرأت حوارا مع الدكتور هان سونج بين، المؤسس المشارك للمتحف، وكبير المنسقين، ونائب المدير، بعد الكفاح من أجل انطلاق المتحف، اقترح والده، الشريك المؤسس الآخر، الانتقال إلى جيجو. 

الآن، بعد سبع سنوات (فتح أبوابه في بداية عام 2005 في جيجو)، هنا يقف متحف جيجو للفن الأفريقي. 

قطط مفترسة بانتظار الزوارقطط مفترسة بانتظار الزوار

في مكتبه كان الوالد، الدكتور تشونج هوون هان، في استقبالنا، وسألته عن المتحف الأصلي، فقال: «كان حجم المتحف في سيول خُمس حجم هذا المتحف»، بجانب المكتبة، والآلة الكاتبة، لفت نظري الكم الكبير من آلات التصوير، كشف الرحالة الكوري في إفريقيا عن شغفه الفوتوغرافي، وأراني من ألبومه صورة له في إحدى تلك الرحلات.

يقتني الدكتور تشونج هوون هان مجموعة نادرة من آلات التصويريقتني الدكتور تشونج هوون هان مجموعة نادرة من آلات التصوير

درس ابنه، الدكتور هان سونج بين، الثقافة الإفريقية في جامعة كولومبيا لمدة سبع سنوات، ثم أتم برنامجا للتبادل في جامعة نيروبي في كينيا لمدة عامين. بشكل عام، ودرس الثقافة الإفريقية لمدة 10 سنوات، ويقول أنه الكوري الوحيد الذي درسها وتخصص فيها.

شرح الأب أنه جمع هو وابنه مجموعة كبيرة من القطع الأثرية من زياراتهما المشتركة لمختلف البلدان الإفريقية. 

سافر الأب مع خبير في جميع أنحاء إفريقيا للتجول وشراء القطع الفنية الحقيقية وتجنب اقتناء القطع المقلدة. يستقبل المتحف أيضًا الكثير من القطع الأثرية من إحدى المؤسسات الخيرية. التي تستورد وتتبرع بالكثير من القطع الأثرية للمتحف، يقول الدكتور هان: «لقد تلقينا أكثر من 150 قطعة من تلك المؤسسة».

يعرض المتحف اليوم أكثر من 2200 قطعة أثرية في المتحف، جاء معظمها من غرب إفريقيا، وهناك مقتنيات تغطي 25 دولة إفريقية. 

أشرف أبو اليزيد أمام أحد جدران المتحفأشرف أبو اليزيد أمام أحد جدران المتحف

يقول «هان» إنهم يجدون أيضًا قطعًا من المزادات في الولايات المتحدة وأوروبا، وتجمع القطع الأثرية من الأقنعة والتماثيل والمنحوتات واللوحات والملابس والأسلحة والمنحوتات.

عندما سُئل عن سر اختيار مثل هذا الهيكل الفخم لتقليده، قال هان، «لأنه رمز للعمارة الإفريقية» إن الألواح الخشبية البارزة تستخدم للتسلق بعد موسم الأمطار، حتى يتمكنوا من إجراء الإصلاحات بسهولة.

نموذج لكوخ إفريقينموذج لكوخ إفريقي

ويتابع الدكتور هان: «المتحف مصنوع من مادة مبتكرة تمثل مزيجا من الألياف الزجاجية والطين والخرسانة، وهو طبيعي أكثر من كونه خرساني، لذلك كان أقوى وأسهل في النحت، ويعد أول مبنى خرسانة خفيفة الوزن معقمة بالبخار في كوريا. إنه نفس ارتفاع العمارة الأصلية، لكن مساحته أصغر بكثير».

اصطحبني الدكتور هان إلى بقعة أمام المتحف: «من هنا نستطيع التقاط صورة تبرز المبنى بأكمله خلفنا»، الغريب هو أن دراسة الثقافات المقارنة تشي بأسرارها، ففيما يتعلق بأوجه التشابه اكتشف «هان» أن الثقافة الإفريقية تشبه في الواقع الثقافة الكورية. 

أشرف أبو اليزيد يلتقط الصور للمتحفأشرف أبو اليزيد يلتقط الصور للمتحف

يضيف: «شعرت عندما أنهيت دراسة اللغة السواحيلية، أن الشعب الكيني، مثالا، أشبه بالكوريين؛ في الثقافة الأفريقية، هم يحترمون كبار السن مثلما نفعل في الثقافة الكورية».

لا يمكن أن نغفل الحس الاقتصادي، ليس فقط لكون دخول المتحف ليس مجانيا؛ بل لأن المتحف فيه سوق كبيرة ومبتكرة ومستلهمة من الأجواء الأفريقية. 

يشعر الأطفال في معرض اللعب المحشوة المعروضة بشكل جميل يوحي للأطفال بأنهم يسيرون عبر تضاريس مختلفة في إفريقيا، مثل الصحراء الكبرى وغابات الكونغو وزيمبابوي. 

أطفال في قاعة اللعب بالمتحفأطفال في قاعة اللعب بالمتحف

وهناك ورشة عمل إفريقية تقام خمس مرات كل سنة لشعب جيجو، والأطفال يحبون ذلك لأنهم لا يعرفون عن الثقافة الإفريقية التي لم يدرسوها أبدًا ولن تتاح لهم فرصة يومية لمقابلة الأفارقة.