حوار خاص نسرين أسامة أنور عكاشة تتحدث لـ«سفن إي نيوز» عن ذكريات الأب والفنان المُبدع

الذكرى الـ12 لرحيل أستاذ الدراما العربية أسامة أنور عكاشة

نسرين أسامة أنور عكاشة لـ«سفن إي نيوز»:

- أبي ابن بلد ومرح وطيب وكان ينعزل أثناء الكتابة

- «زيزينيا» لها مكانة خاصة وكان يحلم باستكمالها

- الجزء السادس من «ليالي الحلمية» كان قراراً خاطئاً شاركنا فيه

- خالد النبوي ذاكر عالم أسامة أنور عكاشة فشعر الجميع بـ«روح بابا»

- «أبو الهنا» يحمل روح «أبو العلا»

- الأعمال الأقدم والأقل شهرة كانت الأقرب لقلبه

- إهداءات والدي لي رسائل متعددة المعاني

- زيارة خالد النبوي لنا كانت دفعة معنوية للأسرة

«الأستاذ، العبقري، المبدع»، كلمات لعلها تنجح في وصف هذا الرجل الذي منح الدراما عمره وحياته ليصبح أحد أهم وأبرز أعمدتها برصيد كبير ومميز من الأعمال، بل إن التقليب في دفاتر الذكريات، واسترجاع عدد منها كفيل بمعرفة ماهية الكاتب والسينارسيت أسامة أنور عكاشة، الذي رحل في مثل هذا اليوم منذ 12 عاما.

«ضمير أبلة حكمت»، «أبو العلا البشري»، «زيزينيا»، «الشهد والدموع» «أرابيسك» «امرأة من زمن الحب»، «المصراوية»، «الحب وأشياء أخرى»، وخمسة أجزاء من ملحمته الشهيرة «ليالي الحلمية» وغيرها من الأعمال ذات الثقل والأهمية الدرامية التي شكَّلت جزءا عميقاً لا يُستهان به من وجداننا.

عكاشة مع «أبو العلا البشري» في رحلته الشيقة ومعهم المخرج محمد فاضلعكاشة مع «أبو العلا البشري» في رحلته الشيقة ومعهم المخرج محمد فاضل

أسامة أنور عكاشة، الاسم وحده يكفي للاسترسال طويلاً في سيرة «ابن بلد» لم يكن مهموماً ببلده وأهلها فحسب، بل بكل ما يمس المواطن العربي، حتى أصبح واحداً من أهم المؤلفين وكُتَّاب السيناريو.

بعد 12 عاماً من غياب الجسد وحضور الروح والسيرة الطيبة والأعمال الخالدة، نتحدث مع نسرين عكاشة، الابنة التي فتحت قلبها وعالم «عكاشة» على مصراعيه لإحياء ذكرى الوالد المُبدع بين محبيه وتلاميذه وجمهوره.

نسرين عكاشة مذيعةنسرين عكاشة مذيعة

تخلت عن ثوب الإذاعية التي اعتادت إدارة الحوار، ولم تتذكر سوى الابنة التي تفخر بالأب وتحترم المُبدع، وتكشف كل ما يتمنى الجمهور معرفته عن سيناريو حياة الكاتب أسامة أنور عكاشة، الذي صنع لهم الكثير من الحيوات الأخرى.

أسامة أنور عكاشة وابنته نسرين في صغرهاأسامة أنور عكاشة وابنته نسرين في صغرها

شخصية استثنائية

«بابا كان أبسط خلق الله»، هكذا بدأت نسرين، حديثها عن والدها واصفة الراحل في بيته وتعاملاته الإنسانية، مؤكدة أن البساطة كانت من أهم الصفات التي اتسمت بها علاقته مع أهل بيته، على وجه الخصوص، فقد كان طيباً حنوناً رقيق المشاعر رغم قوة وحِدة ملامحه ظاهرياً.

تؤمن نسرين بأن والدها يشبه كثيرين من أصحاب المبادئ «الشقيانين» الذين لم يصلوا إلى ما أصبحوا عليه بسهولة، ورغم ذلك لم يتغير فيه أي شيء بعد الوصول.

نسرين عكاشةنسرين عكاشة

قالت: «لم يتكبر يوماً على أحد، بل كان يدرك تماماً قيمة ما وصل إليه»، الأمر الذي صنع تلك التوليفة الساحرة لشخصية استثنائية.

«خفة دم ووجه حاد»

وبابتسامة تشعر معها أنها قد تذكرت للتو بعض المواقف التي جمعت بينهما، استطردت في الحديث قائلة: «كان شخصاً مرحاً وعنده خفة دم طاغية عكس ما يبدو عليه»، مشيرة إلى أنه كان يميل إلى الضحك والحديث بشكل ساخر مع العائلة والأصدقاء، تلك الروح الساخرة التي كانت تظهر أحياناً في كتاباته، وذلك في الأوقات التي لا يعمل خلالها ربما لشعوره بالضغط الكبير أثناء فترات العمل، فكان يرغب في الشعور بالاختلاف عن أوقات العمل والتزاماته.

ابتسامة أسامة أنور عكاشة تختبئ خلف ملامحه الجادةابتسامة أسامة أنور عكاشة تختبئ خلف ملامحه الجادة

تضيف: «كان يحب البيت ولا يخرج منه إلا للعمل، كما كان يحب الجلوس بيننا، ويصر على تجمع العائلة أبناء وأحفاد من حين لآخر مهما كانت مسؤوليات والتزامات كل شخص، فالدفء الذي يتركه تجمع العائلة لا يضاهيه شعوراً آخر».

نسرين مع والدتها السيدة سهير زوجة الراحل أسامة أنور عكاشةنسرين مع والدتها السيدة سهير زوجة الراحل أسامة أنور عكاشةأسامة أنور عكاشة وحفيدهأسامة أنور عكاشة وحفيدهأسامة أنور عكاشة مع أحد أحفادهأسامة أنور عكاشة مع أحد أحفاده

«شخص عصبي»

أما في أوقات العمل والكتابة، تقول ابنته، إنه يتبدل لشخص عصبي أحياناً نتيجة المجهود الذهني والنفسي الذي يبذله، مؤكدة أن القوة والتميز التي توصف بها أعمال أسامة أنور عكاشة لم تأت من فراغ، بل استهلكت روحه وأعصابه وصحته، لذلك كان هم الأسرة في تلك الأوقات توفير الأجواء الهادئة التي تساعده على العمل منعاً لحدوث أي شيء يزعجه أو يقطع استرساله وتفكيره، وفي المقابل كان يشعر هو بأن المحيطين به ليس لهم ذنباً في حالة الضغط التي يعيشها لذلك كان يفضل وقت العمل الانعزال قليلاً.

أسامة أنور عكاشة يقرأ أحد الكتبأسامة أنور عكاشة يقرأ أحد الكتب

«كثير من الحب»

وعن المسلسلات الأقرب لقلب والدها تقول نسرين: قد يتعجب البعض من تفضيل والدي لأعمال لا تتمتع بنفس شهرة مسلسلات كبيرة أحبها الجمهور ولا يزال يتذكرها، كان يحب أعماله الأقدم والأقل شهرة مثل (المشربية، عابر سبيل، الحصار وأبواب المدينة)، وعلى الرغم من أن هذه الأعمال لم تكن في فترة شهرته وخبرته ككاتب، كما أنها ليست بشهرة مؤلفات أخرى جاءت بعدها، ولكن ربما هو شعور بقطعة من روحه منحها لكل عمل من هؤلاء».

أسامة أنور عكاشة في مكتبهأسامة أنور عكاشة في مكتبه

«زيزينيا في القلب»

وتستكمل نسرين، الحديث: تمتعت «زيزينيا» بمكانة خاصة في قلبه، ليس فقط لتميزها من ناحية التأليف والكتابة ولكن أيضاً للخصوصية الشديدة التي تتمتع بها مدينة الإسكندرية عنده، بالإضافة إلى رغبته الدائمة في استكمالها، فكان يشعر ناحية زيزينيا بحالة حنين تسيطر عليه كلما ذُكرت.

وتذكرت ابنة «الأستاذ» ملامحه الحزينة ونظراته الدامعة عندما كان يشاهد «زيزينيا» خلال فترة مرضه، حين بدا عليه التأثر الشديد قائلة: «كانت حاجة مهمة جوه قلبه، وكان نفسه يكملها، ويمكن دموعه كانت لأنه عارف إنه مش هيلحق يعمل كده».

أسامة أنور عكاشة مع الأديب الكبير نجيب محفوظأسامة أنور عكاشة مع الأديب الكبير نجيب محفوظ

خصوصية الحلمية

ولم يكن ليمر الحديث عن أسامة أنور عكاشة، دون التطرق لذكريات «ليالي الحلمية»، ولكن فضلت نسرين، أن تبدأ من النهاية وتحديداً من عند الجزء السادس وهو آخر أجزاء المسلسل، الذي لم يلق النجاح المتوقع أو المعهود كما هو الحال مع ما سبقه، جزء تأثر بغياب صاحب الأجزاء الخمسة، وتحدثت عن الأمر بوضوح وشفافية قائلة: «وافقنا على الفكرة بعد عرضها علينا، ولكن لم نكن نرى الصورة كاملة، ولم تكن العناصر الموجودة تُبشر بنتيجة مُرضية، خاصة مع عمل بثقل وخصوصية الحلمية لدى الجمهور الذي لم يكن ليقبل بذلك».

أسامة أنور عكاشة على مقهى يحمل اسم ليالي الحلميةأسامة أنور عكاشة على مقهى يحمل اسم ليالي الحلمية

وتابعت: «الحقيقة أن المسألة لا تتعلق بأشخاص لأن ليالي الحلمية، قصة قابلة للتجدد كما وصفها أسامة أنور عكاشة، نفسه في أحد حواراته، لكن ربما عنصر الزمن الذي تغير وبعض ظروف الإنتاج ووفاة ممدوح عبد العليم قبل المشاركة وغيرها من العناصر التي اجتمعت وأعطت بعض المؤشرات والعلامات التي أكدت أنه لن يكون بقوة الأجزاء الخمسة».

وأوردت: «في النهاية أؤكد أنه كان قراراً خاطئاً تتحمل مسؤوليته الأسرة تماماً مثل من قاموا بتنفيذه، ولكن كانت نوايا الجميع طيبة، وأن هناك بعض الأعمال التي تتمتع بحالة ومكانة خاصة عند الجمهور فيها من المساحة ما يسمح باستكمالها وتجديدها ولكن في الوقت نفسه تنفيذها صعب ومخاطرة كبيرة».

«أبو العلا» و«أبو الهنا»

والأمر نفسه ينطبق على مسلسل «أبو العلا البشري» الذي تمنى في وقت من الأوقات وجود ما يستجد للعمل عليه من جديد، حيث كان يرى أن فكرة أبو العلا نفسها، قائمة ولكن تحتاج تنفيذاً خاصاً حتى لا تتكرر حالة «ليالي الحلمية».

وكشفت عن وجود عرض منذ 4 أو 5 سنوات لتنفيذ المسلسل بقراءة مختلفة، وقالت: «فكرة أبو العلا يمكن أن يكون لها امتداد ولكن لن تُقبَل بسهولة مع أجيال أحدث».

وانتقلت من رحلة «أبو العلا» إلى «بليغ أبو الهنا» الذي رأت فيه «نسرين» ملمساً من روح أبو العلا، وتشير إلى أن من أهم عوامل نجاح مسلسل «راجعين يا هوى» هو ذكاء فريق العمل في «مذاكرة عالم أسامة أنور عكاشة».

وتوضح أنها لم تكن تتوقع هذا النجاح الكبير للمسلسل مع الجمهور، مشيرة إلى نجاح فريق العمل في الاقتراب من الناس وزيادة شعورهم بأن روح «عكاشة» حاضرة بينهم، بالإضافة إلى قدرتهم على قراءة عالم عكاشة إلى حد كبير.

«عالم بابا»

مخرج العمل محمد سلامة، وكاتب السيناريو المؤلف محمد سليمان عبد المالك، وثالثهما الفنان خالد النبوي، تمكنوا من الدخول لعالم بابا –على حد وصفها- والتعمق في شخصيات عكاشة، فنجحوا في طرح الفكرة المتكررة المهموم بها دائماً في أعماله.

تصمت ابنة الأستاذ قليلاً، لتعاود الحديث قائلة: لو كان بيننا الآن وأراد تقديم «راجعين يا هوى» كان من الممكن أن يقدمها بشكل مختلف، بقدر إحساسه بشخصياته والرسالة التي يريد أن يقولها، ولكن في النهاية كان الفيصل تقديم العمل بصورة أقرب لعالم عكاشة، والحرص على ذلك بأبسط وأدق التفاصيل مثل زيارة خالد النبوي لمنزل الأسرة وجلوسه بمكتب والدي.

تتابع: تلك الزيارة التي كانت بمثابة دفعة معنوية للأسرة ولم تكن بمنطق دعائي على الإطلاق إنما نابعة من إيمان ورغبة في الدخول إلى عالم الكاتب الكبير، ليستلهم منه عالم «بليغ» إلى جانب عنصر أخير ومهم بدا واضحاً لنا كأسرة وهو عدم التفكير في استغلال اسم أسامة أنور عكاشة أو الرغبة في نجاح استناداً إليه، ولكن الحقيقة أن فريق عمل مسلسل «راجعين يا هوى» بذلوا مجهوداً كبيراً من أجل الخروج بعمل راق ومميز.

وتختم نسرين حديثها عن «راجعين يا هوى» قائلة: «حتى لو لم ينجح المسلسل بالصورة دي، كان كافيا عليَّ إحساسي برغبتهم في تقديم عمل محترم يليق به».

«بين السطور»

أما بخصوص خروج كنوز أخرى تحمل اسم عكاشة للنور، بعد النجاح الذي حققه مسلسل «راجعين يا هوى»، توضح «نسرين» أنها لم تحدد أو تعلن أسماء لمؤلفات وكتابات بعينها ليتم العمل عليها ولا تسعى لذلك، ولكنها كانت مجرد ترشيحات استحضرها ذهنها من ذكريات وحوارات سابقة لـ«عكاشة» نفسه قائلة: «كنت بفكر بدماغ بابا، هو كان نفسه يعمل إيه، أو كان بيشوف رسالة مهمة في إيه».

وتستكمل نسرين، أن الأعمال التي تحدثت عنها كانت مجرد إشارة لأشكال متنوعة من كتابات والدي، وفي تاريخ ومشوار أسامة أنور عكاشة الكثير والكثير من الأعمال التي يمكن الخروج منها بدراما مميزة، ولكن يبقى الفيصل في تقديم هذه الأعمال أو غيرها، هو ما يريد أن يقدمه أصحاب فكرة الطرح خاصة وأنها أعمال في منتهى الدقة والصعوبة والثقل، وتحتاج لقراءة ما بين السطور.

«حنين وشجن»

تصمت نسرين لحظات ثم تتحدث بنبرة قاطعة: «حقيقي مش تكبر على حد، لكنها حقيقة، أسامة أنور عكاشة هو الوحيد الذي كان قادراً على أن يكتب سطوراً والكثير مما بينها».

أسامة أنور عكاشة في الإسكنديةأسامة أنور عكاشة في الإسكندرية

ولأن حكايات الأب والإنسان والكاتب والمُبدع لا تنتهي، وسردها ينعش ذاكرة وحماس «نسرين» كلما تعمقنا في التفاصيل، كان لا بد أن تكون النهاية جميلة تماماً كأعمال «عكاشة»، نهاية بإهداء إلى ابنته نسرين، اعتاد كتابته بأكثر من طريقة متضمناً المعنى نفسه بخط يده، على كتبه ورواياته: «عزيزتي الآنسة نسرين كلما تذكرت أبيك افتحي الصفحات واقرئيها».

إهداء أسامة أنور عكاشة إلى ابنتهإهداء أسامة أنور عكاشة إلى ابنته

ذلك الإهداء الذي ترى فيه أكثر من معنى وهدف، الأول يكمن في رغبة الوالد في قراءة ومتابعة أقرب الناس إليه لأعماله.

وتختم «نسرين» حديثها بكثير من الدموع التي تحمل الكثير من الحنين والافتقاد للوالد بالقول: «كان يحزن كالأطفال إذا شعر بأن من يحبهم لا يهتمون بقراءة ما يكتبه، كان يشعر أنه سيرحل، وكان يحب إرشادي ونصحي، وكان يقول ليّ لا تنسي بابا أبداً، اقرأي كلامي باستمرار».

رسالته تحمل كثيراً من الشجن وإن كان يكتبها لتكون ذكرى جميلة وباقية ولكنها تفسر ما كان يشعر به حين يريد أن يقول لها «أنا هفضل موجود معاكي».