أخيرا كشف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عن نواياه الحقيقة حيال جارته العدو اللدود لبلاده، ألا وهي اليونان، بإعلانه صراحة، مساء أمس الاثنين بوضوح ولا مواربة ودون رتوش تقتضيها البروتوكلات والأعـراف الدبلوماسية، «لم أكن مقتنعا أبدا بعد اجتماع مع رئيس وزراء اليونان كرياكوس ميتسوتاكيس».
ولأن الأخير يبدو أنه بات على دراية بخبايا شخصية غريمه، على الشط الآخر من بحر إيجه، فرد مكتبه باقتضاب متجنبا الانفعال والاستفزاز.
لكن هذا لم يمنع بعض الأدبيات السيَّارة هنا أو هناك، من طرح السؤال.. وماذا بعد؟ هل عاد البلدان إلى المربع الأول؟
غير أن الإجابة وبحسب مراقبين جاءت بالنفي: لأنهما (أثنيا وأنقرة)، لم تتركاه أصلا فكلاهما تقف عند النقطة نفسها، لا خطوة جوهرية يمكن أن تضع خطا فارقا بين ماض مرير، وحاضر يتجاوزه على أمل في مستبقل ُمشرق.
ورغم هذا الضباب الكثيف، الذي يستحوذ على فضائيات الدولتين، إلا أن نشوب نزاع مسلح أمر مستبعد، إن لم يكن مستحيلا، وذلك لكونهما حليفتين بالناتو أولا.. وثانيا، كم من الأزمات المستعصية التي واجهتهما، ولا زالت تداعياتها قائمة حتى اللحظة، ومع هذا لم يتقربا إلى الخطوط الحمراء، اللهم اختراقات بين الفينة والأخرى لمقاتلاتهما أجواء كلاهما، تستتبعها اتهامات متبادلة، ثم تهدأ العاصفة لتنتظر أخرى، وهكذا من دون صدام.
ومع غزو تركيا لشمال قبرص في العام 1974، كان يفترض أن تقوم اليونان برد فعل عسكري انتقامي وهو ما لم يحدث.. ليس ذلك فحسب بل عندما دشنت أنقرة جمهورية شمال قبرص التركية، التي لا يعترف بها أحد سواها اكتفت بالإدانة والشجب تاركة المجتمع الدولي مهمة العقاب الذي لم يخرج عن نطاق فرض واشنطن حظر تصدير السلاح، ثم عاد وجرى رفعه في مستهل الثمانينات، قبل أن يترك جيمي كارتر البيت الأبيض لخليفته رونالد ريجان.
وحديثا وقبل أقل من عامين، تلاحقت تطورات عاصفة بشرق المتوسط، على خلفية خيرات نفط وغاز تموج بها أعماقه، وسط سبق محموم من المتنافسين.
وفي 19 أغسطس، نقلت شبكات التلفزة التركية، لقطات أظهرت رئيس الوزراء اليوناني رفقة بعض جنرالاته، وهو يتفقد مقاتلات «أف 16» في مشاهد لم تخل من دلالات شتى، بيد أنها بدت ردا على إعلان أنقرة توسيع نطاق ما أسمته «عملياتها لاستكشاف حقول الغاز قبالة سواحل شمال قبرص».
بالمقابل استبعد محللون أتراك وغربيون على السواء، نشوب أي مواجهة مباشرة بين بينهما.
وبالشهر ذاته كان لافتا أن تخصص فضائية «سي إن إن تورك»، برنامجا حواريا تمحور حول سؤال: هل خفتت طبول الحرب؟ في إشارة إلى نبرات تراجع عن تصريحات تصعيدية وصُفت في الداخل الأناضولي قبل الخارج بأنها دعائية، خاصة بعد تسريبات كشفت عن واقعة شديدة الأحراج سقطت فيها وسائل إعلام موالية للقصر الرئاسي في أنقرة، حينما زعمت أن بحريتها قهرت سفينة يونانية وأجبرتها على الفرار، وهو زعم ردده أردوغان نفسه، إلا أنه تبين زيفه حسبما ذكر تقرير لموقع «جريك سيتي تايمز» اليوناني، ولم تكذبه الميديا الأردوغانية.
وفي يونيو العام الماضي، وتحديدا يومي الاثنين والثلاثاء 10 و11، عاد التراشق مجددا بذات المنطقة الزرقاء الملتهبة، والحادثة كانت قيام البحرية التركية ولمرتين متتاليتين بمنع بعثات بحثية لسفينة متعاقدة مع القبارصة اليونانيين من مواصلة عمليهما في تلك المنطقة بحجة، «انتهاكهما جرفها القاري دون إذن في المياه الواقعة جنوب غرب قبرص» هكذا قالت وزارة الدفاع في أنقرة.
وكما هو متوقع ومعتاد ندد وزير الخارجية اليوناني، نيكوس ديندياس، بأشد العبارات تلك الاستفزازات التي لا تتوقف، وأيضا استمرار الأفعال التحريضية، وكلها سلوكيات غير مقبولة ومن شأنها تقويض مناخ الاتصالات قبل أن تحدث!
لكنها أي الاتصالات ستحدث، بالرغم من هذا التطور الذي هو في الحقيقية لا يحمل جديدا.
في اليوم التالي الأربعاء 12 يونيو العام الماضي، وعلى أرض وريثة الإمبراطورية العثمانية، جرت محادثات ثنائية هي الأولى من نوعها منذ خمس سنوات، بين الدولتين المتخاصمتين، كخطوة ضمن خطوات يسعى إليها الاتحاد الأوروبي سعيا حثيثا تحدوه آمال ليست عريضة، لخفض التصعيد، الذي سيحدث.
ولكن التصعيد لن يختفي طالما بقت جذور المعضلة لا تبرح مكانها، يدلل على ذلك هذا الإجماع من قبل المحللين الذي ذهب إلى القول «إن كلا الطرفين لديهما القليل من الحوافز لإحراز أي تقدم في مجالات الخلاف المزمنة وكم هي كثيرة»، وحينما يطرح السؤال لماذا؟ يأتي الجواب ببساطة «لا توجد إرادة سياسية في الوقت الحالي للمضي قدمًا لطي الصفحات المؤلمة».
استنادا لشواهد سابقة لا يتم التعويل هنا، وفي القارة العجوز كثيرا على نبرات أردوغان المتشنجة، ولن يكون الأمر مفاجئا لهما، إذا عاد وأدلى بنقيضها ولعل مواقفه نحو الدولة العبرية خير مثال.. ويبق المهم ألا وهو لا مجال للحرب!!