ضحكة مميزة"، و"ملامح استثنائية" و"نبرة صوت فريدة"، كلها صفات اجتمعت كاملة في الراحل القدير "أبو ضحكة جنان" الفنان إسماعيل ياسين -الذي تمر اليوم ذكرى رحيلة الخمسون- فمنحته التفرد والاختلاف، وسط ساحة كوميدية مزدحمة بألمع نجوم الفن عامة والكوميديا على وجه الخصوص.
إسماعيل ياسينحالة لم يكن يتخيل يوماً أن يفعلها ابن مدينة السويس الذي انتقل إلى القاهرة هرباً من مصير مظلم مع زوجة أب قاسية، بعد أن كان الابن الوحيد لأب يعمل صائغاً ميسور الحال والأم التي تركته يتيماً وحيداً يعاني في عمر الزهور.
درس بأحد الكتاتيب ومنه إلى مدرسة ابتدائية وصل فيها حتى الصف الرابع، ثم اضطربت أحوال الأب وأفلس محله وتراكمت عليه الديون ودخل السجن، منذ تلك اللحظة قرر إسماعيل الاعتماد على نفسه وتولي شئون حياته وكافة مسئولياته، ورغم أن حلم الفن وتحديدا الغناء كان يراوده إلا أن الظروف لم تكن لتسانده في تحقيق حلم منافسة الموسيقار محمد عبد الوهاب الذي كان يعشق الاستماع لأغنياته.
عند بلوغ السابعة عشر من عمره قرر الانتقال إلى القاهرة، عمل صبياً في أحد المقاهي بشارع محمد علي، وكان يراوده حلمه القديم "الغناء"، ولكن شكله وهيئته مهدت له طريق الاستعراض والمونولوج، عمل مع "الأسطى نوسة" التي كانت أشهر راقصات الأفراح آنذاك، تركها بعد فترة وعمل وكيلاً في مكتب أحد المحامين لضمان مصدر رزق ثابت، ولكن لم يتركه حلم الغناء فذهب إلى بديعة مصابني بعد أن قابل رفيق كفاحه وتوأم روحه وفنه أبو السعود الإبياري الذي كان يعمل بملهى بديعة مصابني، لينضم إسماعيل هو الآخر لفرقة بديعة ويتخصص في المونولوجات.
إسماعيل ياسين
وقد حقق "سُمعة" نجاحاً كبيراً منقطع النظير في تقديم فن المونولوج، وظل ١٠ سنوات بهذا المجال يحقق ذاته ويثبت نفسه وموهبته، الأمر الذي أثمر عن فرصة في الإذاعة لإلقاء مونولوج بها نظير أربعة جنيهات عن المونولوج الواحد شاملاً أجر التأليف والتلحين، وكان يشاركه نجاح تلك التجربة أبو السعود الإبياري.
في عام 1939 دخل "سمعة" من بوابة السينما باختيار فؤاد الجزايرلي له للمشاركة في فيلم "خلف الحبايب"، وقدم بعدها العديد من الأدوار الصغيرة
تلك المساحات القليلة التي صعدت به درجات سلم النجاح خطوة خطوة، لتجعل منه نجم كوميديا الخمسينيات بلا منازع، لدرجة وصل معها إنتاجه الفني في العام الواحد إلى ١٦ فيلماً، وهو رقم لم يستطع أن يحققه غيره.
إسماعيل ياسين
كان يسخر من شكله في معظم أفلامه، فيتحدث عن حجم فمه وملامحه ورغم ذلك كانت هي تميمة حظه التي ميزته ومنحته القبول عند الجمهور، بل كانت "الإفيه" الوحيد الذي لا يملون من الضحك عليه في كل مرة.
تلك المكانة التي حققها والتألق الكبير الذي اقترن باسمه كان سبباً كافياً لتهافت المنتجين عليه، بل انفرد بعد ليلي مراد باقتران اسمه بأفلامه، فقدم مجموعة من الأفلام التي حملت اسم إسماعيل ياسين، منها إسماعيل ياسين في الأسطول، إسماعيل ياسين في الطيران، إسماعيل ياسين في متحف الشمع، إسماعيل ياسين يقابل ريا وسكينة، إسماعيل ياسين في الجيش، إسماعيل ياسين في البوليس، إسماعيل ياسين في البحرية، إسماعيل ياسين في مستشفي المجانين.
إسماعيل ياسين
وكما اقترن اسمه ونجاحه بالإبياري، ارتبط أيضاً بالمخرج فطين عبد الوهاب الذي قدم معهما ثلاثياً مميزاً مضمون النجاح، حيث أخرج له العديد من الأفلام وكان معظمها كتابة أبو السعود الإبياري.
ولتكتمل سلسلة النجاحات جاء المسرح ليشهد انطلاقة وتألق من نوع خاص لـ"سمعة"، وفي عام ١٩٥٤ قام بتكوين فرقة مسرحية تحمل اسمه بالاشتراك مع أبو السعود الإبياري، واستمر عمل الفرقة على مدار ١٢ عاماً قدم خلالها ما يزيد عن ٥٠ مسرحية كانت جميعها من تأليف الإبياري، وكان يقدمها بشكل يومي.
حياة مليئة بالتألق والتميز وتحقيق نجاح تلو الآخر، ولكنها الحياة حين تأتي بما لا تشتهي السفن، فقد انقلبت أحوال "سمعة" إلى النقيض تماماً.
على مدار عقد كامل من حياته وتحديدا من عام ١٩٦١ ذاق "إسماعيل" مرارة التراجع وإحساس النجم الذي خفت، والأضواء التي انحسرت، والفنان الذي لا يعرف طعم الراحة أو المكوث في المنزل من كثرة عدد الأفلام التي كان يقدمها في العام الواحد، قدم فيلمين فقط هما "زوج بالإيجار" و"الترجمان"، وفي العام التالي قدم "ملك البترول" و"الفرسان الثلاثة" و"انسى الدنيا".
إسماعيل ياسين
وخلال الفترة من ١٩٦٣ حتى ١٩٦٥ قدم "المجانين في نعيم" و"العقل والمال".
شعور بالفقد والعزلة داخل وسط أحبه وقدم له حياته، كان هذا هو الإحساس المسيطر على "سمعة" الذي تبدلت ابتسامته وزادت أوجاعه مع زيادة إحساسه بالمرض فكما أشيع عنه أصيب بالقلب، بل أرجع البعض سبب تراجع نجوميته في ذلك للمرض الذي أثر على نشاطه الفني.
فيما أشار آخرون إلى أن الأسباب تتلخص في دخول الدولة في الإنتاج الفني في فترة الستينيات وإنشاء مسرح التليفزيون، حيث كان تأثيرها سلبياً بشكل كبير عليه. كما فسر البعض انحسار نجوميته بسببه هو نفسه لأنه لم يستطع تطوير ما يقدمه وبات صورة متكررة في عدد من أفلامه الأخيرة كما أنه ابتعد عن تقديم المونولوجات داخل أفلامه رغم أنها كانت من أهم أسباب نجاحه في السينما.
وبين عشية وضحاها أصبح إسماعيل ياسين في ورطة بعد أن تراكمت عليه الديون ومعها الضرائب، وتم الحجز على العمارة التي بناها وخرج من رحلة كفاحه ونجاحه الكبيرة كما دخل.
اضطر إلى حل فرقته المسرحية عام ١٩٦٦، وسافر إلى لبنان كحل أخير وعمل في بعض الأفلام القصيرة منها "فرسان الغرام"، "كرم الهوى" و"عصابة النساء"، ليعود بعدها من جديد للمونولوجات والمشاركة في أدوار صغيرة. وكأنه يعيد شريط حياته من جديد حتى رحل في الرابع والعشرين من مايو ١٩٧٢ إثر أزمة قلبية حادة.
إسماعيل ياسين
نهاية حزينة لم تكن لتليق بتاريخ حافل لواحد من أهم نجوم الكوميديا الذي انطلقت ضحكاته في الأفلام وانقلب واقعه إلى مأساة لا يعبر عن مدى قسوتها أكثر من كلمات أحد المونولوجات الشهيرة لإسماعيل ياسين نفسه حين قال:
"عينى علينا يا أهل الفن يا عينى علينا.
ناكل قر ونشبع زن وقلع عينينا.
العمر كله عرق و دموع
و شبع أو جوع وغنى وحرمان
من اللى يسوى وميسواش
بفلوس وبلاش نتسم كمان
نسمع كلام زي الكرابيج
و يقولو عنا اللى ما يتقال
شقانا بيسموه تهريج
و حرق دمنا لعب عيال
وإحنا نهاتي يوماتي ليلاتي
آلات وآلاتي وبنقول فن
وعيني علينا يا أهل الفن يا عيني علينا".