تشيخوف العرب.. 95 عاما على ميلاد يوسف إدريس

أعماله ترجمت لـ 24 لغة

طبيب عالج النفوس البشرية بالقصة القصيرة

سُجن ثلاث مرات بتهمة ممارسة العمل السري ضد الاحتلال البريطاني

وصفه أنيس منصور بأمير القصة وطه حسين قال: "ُخلق لهذا الفن"

حارب مع الجزائريين وأصيب فحصل على وسام رفيع المستوى

قال عنه عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين: "خلق ليكون قاصا" ووصفه الكاتب محمد عودة "بتشيخوف الأدب العربى بل إنه تخطاه"، بينما رآه الراحل رجاء النقاش "فنانا من نوع خاص ونادر وأصيل يعيش الحياة التي يكتبها بروحه ودمه" بينما لقبه الكاتب الراحل أنيس منصور "بأمير القصة العربية"، هو الأديب الدكتور يوسف إدريس الذى ولد في 19 مايو عام 1927.

الكتابة عن يوسف إدريس تكاد تشبه من يذهب بكوب إلى المحيط حالما بالعودة وقد امتلأ الكوب بكل ما تخفيه الأعماق من أسرار وأساطير، فلقد كان قلمه بمثابة جراح في كتابة القصة القصيرة، فأصبح عبقريا فى دراسة النفس البشرية والوقوف على نقاط ضعفها وقوتها.

والحقيقة إنه الطبيب الذي اختطفه الأدب من مهنة الطب، فعاش حياة حافلة بالمعارك الأدبية والسياسية بل حتى الحربية، حيث اعتُقل أثناء دراسته الجامعية في الخمسينات من القرن الماضي، بتهمة ممارسة العمل السري ضد المستعمر البريطاني الذي كان يحتل مصر وقتها، كما قاتل كمحارب حقيقي مع الثوار في الجبال أثناء الثورة الجزائرية أوائل عقد الستينات، وخاض معارك فكرية شرسة، حتى استحق بجدارة لقب "الأديب المشاغب".

ابن دلتا مصر

"تشيخوف العرب" يوسف إدريس ابن قرية "البيروم" التابعة لمحافظة الشرقية في دلتا مصر، ولد لأسرة من متوسطي المزارعين تضم عددا من المتعلمين "الأزهريين"، تخصص والده في استصلاح الأراضي في مناطق مختلفة من الدلتا، وأرسل ابنه الكبير "يوسف" ليعيش مع جدته في القرية، فتركت حياة الريف أثرا بالغاً في نفس الطفل الموهوب، فصار خبيراً بحياة الفلاحين في الريف المصري البائسة التي صوّرها – فيما بعد- في قصصه ورواياته بدقة لا تخلو من القسوة.

نضال واعتقال

أراد الطفل "يوسف" منذ صباه المبكر أن يكون طبيبا، فالتحق بكلية الطب، وفي سنوات دراسته الأولى بالجامعة شارك في مظاهرات ضد المستعمر البريطاني، وفي 1951 أصبح السكرتير التنفيذي لـ"لجنة الدفاع عند الطلبة" التي كانت تتولى أمور الطلاب والطالبات أمام الجهات الرسمية، ثم سكرتيراً لهذه اللجنة، وبهذه الصفة نشر "يوسف" مجلات ومطبوعات ثورية ضد الاستعمار البريطاني، وضد رجال حاشية "الملك فاروق" الفاسدين، وتعرض للاعتقال 3 مرات لبضعة أشهر بسبب نشاطه السياسي، وتم فصله من الكلية لعدة أشهر، ثم عاد فاستأنف دراسته مجدداً.

ليالي الدرب الأحمر

اشتهر أمير القصة العربية منذ صباه بغزارة الثقافة وسعة الاطلاع بشكل يصعب معه تحديد مصادر ثقافته، حيث اطلع على الأدب العالمي وخاصة الروسي، وقرأ لبعض الكتاب الفرنسيين والإنجليز، كما كان له قراءاته في الأدب الآسيوي، حيث عشق الكُتّاب الصينيين واليابانيين.

وفي أثناء سنوات الدراسة الجامعية كان يحاول نشر كتاباته القصصية، حيث بدأ نشر قصصه القصيرة في عدة مطبوعات صحافية كانت رائجة وقتها، منها صحيفة "المصري" "ومجلة روزاليوسف"، وفي 1954 ظهرت مجموعته القصصية الأولى "أرخص الليالي".

وبعد أن حصل على بكالوريوس الطب عام 1947، ودبلوم الأمراض النفسية والصحة العامة، عمل في المستشفيات الحكومية وكان مفتشاً صحياً في منطقة "الدرب الأحمر" التي تعد من أهم مناطق مصر الشعبية، ومنها إلى ممارس عام في مستشفى "القصر العيني"؛ ليتخصص في الطب النفسي.

وبعد نحو 10 سنوات من ممارسة الطب ترك المهنة نهائيا، واشتغل بالصحافة كمحرر في صحيفة "الجمهورية" لسان حال نظام 23 يوليو الذي كان يقوده جمال عبد الناصر والضباط الأحرار.

الألم الإنساني

وحكاية تركه للطب واختياره للفن والكتابة لها قصة وأسباب يحكي هو جزء منها في حديث له مع "المنسي قنديل" عندما قال له: "لقد تركت الطب لأنني أحسست أنني قد بدأت أتعود علي الألم الإنساني لم أعد أهتز أمامه، وأحسست أن هذا سوف يقتلني ككاتب مهمته الأساسية أن يقاوم كل مصادر الألم"، ولكن هل ما قاله كاتبنا الراحل هو السبب الوحيد الذي دفعه لترك المهنة أم أن هناك ما كمن في داخله وما يخص قيود المهنة؟

قد يكون قد ترك المهنة إلي اللامهنة، فهو القائل أن "الكتابة ليست مهنة إلا إذا كان الاستشهاد في سبيل الحقيقة مهنة أو التضحية مهنة".

حكاية العمر

بدأت رحلة الانطلاق لـ"تشيخوف العرب" عندما تجلت موهبته في مجموعته القصصية الثانية "جمهورية فرحات" عام 1956، الأمر الذي دعا عميد الأدب العربي طه حسين لأن يقول: "أجد فيه دائماً من المتعة والقوة ودقة الحس ورقة الذوق وصدق الملاحظة وبراعة الأداء، مثلما وجدت في كتابه الأول "أرخص ليالي" تعمقاً للحياة وتسجيلاً صارماً لما يحدث فيها.

وفي سنة 1957 تزوج من رفيقة دربه الراحلة رجاء الرفاعي، ورُزق منها بثلاثة أبناء هم "سامح" و"بهاء" و"نسمة"، وعن قصة زواجه تحدث يوسف إدريس في أحد حواراته: "تزوجت في مرحلة من حياتي أحسست فيها بالوحدة فعلاً، وفي هذه الظروف قابلت زوجتي وأحسست أنها من الممكن أن تكون رفيقة العمر، أحسست أنني أريد أن أجلس معها وأتعرف عليها، وأصادقها فتزوجت، ووضعت في قرارة نفسي لافتة داخلية مكتوب عليها: هذا العمل الذي قمت به ليس زواجاً وإنما أنا أريد أن أعرف هذه الإنسانة معرفة حقيقية وتعرفني هي الأخرى، ولكن مجتمعي يمنعني من أن افعل ذلك إلا بالزواج، فتزوجت".

وعن مخاض الإبداع عند "إدريس" قالت زوجته "رجاء" في أحد أحاديثها الصحفية: "حينما كان يوسف يكتب كنت أجلس أمامه، ويقتصر دوري علي إعداد الشاي أو القهوة فقط، وبعد أن يكتب جملة أو جملتين يندمج تماماً ويغيب عن كل ما حوله ويبدأ في التشويح والإشارة، ويمثل الشخوص التي يكتب عنها، ويشعر بأنها حوله تكلمه وتلمسه".

جرح ووسام ورقابة

في عام 1961 انضم "إدريس" إلى المناضلين الجزائريين في الجبال، وحارب معهم كتفاً بكتف في معارك استقلالهم عن المستعمر الفرنسي لمدة 6 أشهر، وأُصيب خلال ذلك بجرح خطير، فأهداه الجزائريون وساماً رفيع المستوى إعراباً عن تقديرهم لجهوده في سبيلهم، وعاد إلى مصر، وقد صار صحفياً معترفاً به حيث نشر روايات قصصية، وقصصاً قصيرة، ومسرحيات.

وبعد عودته من الجزائر في عام 1963، حصل على "وسام الجمهورية" واعترف به الجميع ككاتب من أهم كُتّاب عصره، إلا أن هذا النجاح والتقدير الرسمي لم يمنعه من الانشغال بالقضايا السياسية المثارة في عصره، وظل مثابراً على التعبير عن رأيه بصراحة مطلقة، التي يبدو أنها لم تكن تناسب نظام 23 يوليو، حيث نشر في عام 1969 مسرحيته "المخططين" منتقداً فيها نظام عبد الناصر بشدة، فمنعت الرقابة عرض المسرحية، وإن ظلت قصصه القصيرة ومسرحياته غير السياسية تنشر في القاهرة وفي بيروت.

انكسار وانتصار

عايش أمير القصة العربية في مرحلة الشباب فترة حيوية من تاريخ مصر من جوانبه الثقافية والسياسية والاجتماعية، بدءاً من الانتقال من الملكية بكل ما فيها من متناقضات، إلى نظام 23 يوليو بكل ما حمله من آمال، ثم وقوع "النكسة" عام 1967 وما خلفته من هزائم نفسية وآلام، ومن ثم النصر العربي العظيم على العدو الإسرائيلي في حرب أكتوبر 1972، بكل ما كان انطوي عليه ذلك من استرداد لعزة وكرامة الشخصية العربية، وبعد ذلك تطبيق سياسة "الانفتاح الاقتصادي" في مصر.

واستطاع بقصصه القصيرة أن يحدث تغيّراً جذرياً في مفهومها وكتابتها عبر التصوير الواقعي البسيط للحياة كما هي في الطبقات الدنيا من المجتمع الريفي، وفي حواري القاهرة ليظهر نمطاً جديداً للقصة.

وفضلا عن أعماله الإبداعية، كتب الرجل عدداً كبيرا من المقالات التي جمعها في كتب كان آخرها بعنوان "فكر الفقر وفقر الفكر".

24 لغة وجوائز الدولة

وأصدر "تشيخوف العرب" أكثر من 20 مجموعة قصصية، من أشهرها "حادثة شرف" و"النداهة" و"اقتلها"، كما قد للمسرح كل من "المخططين" والفرافير" و"البهلوان"، وأصدر العديد من الكتب التي تضم المقالات الأدبية والسياسية والفكرية، منها كتاب "فقر الفكر وفكر الفقر"، و"أهمية أن نتثقف يا ناس" و"انطباعات مستفزة"، وفي كتابه "جبرتي الستينات"، وثق ما مر عليه من تحولات سياسية وفكرية خلال فترة الستينات، وقد ذاعت إبداعات إدريس وقدم للسينما أفلام "الحرام" و "لا وقت للحب"، و"العيب"، و"قاع المدينة."

وارتبط اسم يوسف إدريس باسم جريدة "الأهرام" منذ أكتوبر 1973م، بعد انضمامه عقب نصر أكتوبر المجيد، إلى كبار كتاب الأهرام، التي أثرى صفحاتها بعشرات المقالات، التي شكلت ركنا لا ينسى في تاريخ صفحات الرأي بالأهرام.

وتُرجمت أعماله إلى 24 لغة عالمية، منها 65 قصة ترجمت إلى الروسية وحدها، وحصل على جائزة الدولة "التشجيعية" في الأدب عام 1966 والجائزة "التقديرية" عام 1991 قبل وفاته بأشهر قليلة. 

يوسف إدريس يوسف إدريس
يوسف إدريس يوسف إدريس
يوسف إدريس يوسف إدريس
يوسف إدريس يوسف إدريس