"الايجيبتولوجي".. العلم الذي سيطر عليه الأجانب

الحضارة الفرعونية الوحيدة التي صنعت لنفسها علم خاص بالمصريات.. و200 عام من الاكتشافات لا تكفي 

  • الملك "تحتمس الرابع" أول المهتمين بعلم المصريات منذ 3418 سنة.. والأمير "خع إم واست" أول مرمم للآثار. 

  • الإغريق والرومان تركوا حضارتهم وتفرغوا لدراسة "المصريات".. و"مانيتون" ترك مرجعا له منذ 2297 سنة. 

  • العلماء المسلمين فكوا شفرة اللغة الهيروغليفية قبل "شامبليون" بـ1200 سنة.. و"ذو النون" المصري و"ابن وحشية" أشهرهم.

"وجدتها.. وجدتها.. اكتشفت معاني حروف ذلك الحجر.. سنفهم تلك الحضارة العريقة".. في ليلة حارة من ليالي صيف عام 1822، وبتلك العبارات المتقطعة، راح الباحث الفرنسي "جون فرانسوا شامبليون" يقفز صائحاً بسعادة بالغة، بريق عينيه يوحي بأنه توصل الي كشف عظيم، أو ربما هو أعظم كشف في تاريخ الإنسانية كلها. 

قبل تلك اللحظة بأكثر من عقدين من الزمن، وتحديدا في شتاء العام الثاني للحملة الفرنسية عام 1799، وأثناء تفقد الملازم "بيير فرانسوا بوشار" قلعة "جوليان" والتي تقع على بُعد كيلومترين من مدينة رشيد، عثر علي نصب تذكاري من البازلت الأسود، صغير نسبيا، ارتفاعه 113سم، عرضه 75 سم، سمكه 27.5 سم، يحتوي نقوشاً كُتبت سنة 196 قبل الميلاد، أي في عهد الدولة البطلمية، عبارة عن مرسوم ملكي صدر في مدينة منف، من ثلاثة نصوص، النص العلوي هو اللغة المصرية القديمة الهيروغليفية المصرية، والجزء الأوسط نص الديموطيقية، والجزء الأدنى اليونانية القديمة. 

في تلك الغرفة، داخل المعمل الفرنسي، وبعد سنوات طويلة من البحث والتقصي، تمكن "شامبليون"، ذلك الشاب الفرنسي الذي لم يستطيع الالتحاق بالمدرسة في صغره، ولكنه كان من النبوغ إذ تمكن من قراءة أعمال هوميروس وفرجليوس قبل بلوغه التاسعة من عمرة، كما انه أظهر عبقرية فذة وهو في السابعة عشر حينما قدم بحثا عن الأصل القبطي لأسماء الأماكن المصرية في أعمال المؤلفين اليونان واللاتين، ما أهلة لفك طلاسم اللغة الهيروغليفية قبل أن يصل الي الثلاثين من عمره، بعقد مقارنه بين اللغات الثلاث. 

في اليوم التالي لفك طلاسم اللغة الهيروغليفية أيقن الغرب إلي ضرورة أن يكون هناك علم خاص بالمصريات، أو "الايجيبتولوجي"، لتحظي الحضارة المصرية دوناً عن حضارات العالم القديم والوسيط والحديث، التي يصبح له علم خاص به، يلهث علماء الآثار حول العالم خلفه بحثاً عن أسرار حضارة عريقة لازالت تقدم لنا كل يوم ما هو جديد.  

المثير للدهشة، ورغم أن علم "الايجيبتولوجي" علم معني بالحضارة المصرية، إلا أن المتابع الجيد لأهم رموزه، والمؤثرين في مسيرته، سيلفت نظره أن أغلب المهتمين به، من الأجانب، علي الأخص من ينتمون للجنسيات الفرنسية والألمانية والإنجليزية والأمريكية. 

تطور الـ"ايجيبتولوجي"  

أغلب المؤرخين يؤكدون علي أن المصريين القدماء، كانوا أول علماء المصريات، وأن الملك "تحتمس الرابع" والذي حكم في الفترة من 1401حتي 1391 قبل الميلاد، كان أول المهتمين بعلم المصريات، وأن قيامه بإزالة الرمال حول جسد أبو الهول تحقيقا لحلم رآه يناشده فيه بذلك، كان أول أعماله، خاصة وأنه ترك لوحة تحكى تفاصيل هذا الحلم، وبعد قرنين من حكم "تحتمس الرابع"، قام الأمير "خع إم واست" ابن الملك "رمسيس الثاني"، بالتنقيب وترميم آثار أجداده القدماء من معابد ومقابر ومباني، وعلي رأسها هرم الملك "أوناس" بسقارة ليكون أول مرمم للآثار في علم المصريات. 

مرت قرون طويلة، سيطر المصريين القدماء علي علوم "الايجيبتولوجي"، إلي أن جاء القرن السابع الميلادي ليكشف عن اهتمام الإغريق والرومان بدراسة علوم "المصريات"، ويكفي ما وصلنا من تاريخ علي يد مؤرخين أمثال الإغريقي "هيرودوت"، واليوناني "سترابون"، والأثيني "سولون"، والصقلي "ديودورس"، والروماني "يوسفوس فلافيوس" مؤرخ اليهود، ولا ننسي أن الجزء الأكبر من تاريخنا قدمه لنا الكاهن المصري "مانيتون"، ذلك المصري ابن مدينة "سمنود" بالغربية، وكان كاهناً في عهد الملك "بطليموس الثاني" حوالي 280 قبل الميلاد، والذي كلفه بكتابة تاريخ مصر القديمة، ويعتبر المرجع الأول لعلم "الايجيبتولوجي". 

سنوات كثيرة مرت، حتي جاء عصر العلماء المسلمين، فكانت لهم من الإسهامات في علوم "الايجيبتولوجي"، ما أدي إلي كشف الكثير من أسرار الحضارة المصرية القديمة، وكانت أول محاولة معروفة قام بها "ذو النون" المصري، أو "ثوبان بن إبراهيم"، المؤرخ السوهاجي الأشهر، والذي عاش خلال الفترة من 796 حتي 859 ميلادية، ومن أشهر مؤلفاته كتاب "حل الرموز وبرء الأرقام في كشف أصول اللغات والأقلام"، ويُعد ضمن العلماء العرب الذين سبقوا "شامبليون" في فك رموز الأبجدية الهيروغليفية. 

وهناك أيضاً "ابن وحشية النبطي"، أو "أبو بكر أحمد بن علي بن قيس بن المختار بن عبد الكريم بن حرثيا بن بدنيا ابن بوراطياً الكزداني"، والمتوفي في 930 ميلادية، اكتشف أن الرموز الهيروغليفية مجرد رموز صوتية، وقام بتحليل العديد من تلك الرموز قبل اكتشاف شامبليون، بل أن البعض ذهب إلي أن شامبليون اطلع علي مخطوطة "شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام" التي ألفها قبل ان يخرج برموز حجر رشيد. 

لصوص الـ"الايجيبتولوجي" 

مع بداية القرن الثالث، وبدء الدولة الحديثة، ظهر في مصر عدد كبير من الباحثين الأوربيين، وكُتاب الرحلات بحثا عن الاكتشافات التاريخية، وان كانوا في الأغلب يقومون بسرقة وتهريب الآثار، إلا أن ملاحظاتهم وكتاباتهم قدمت الكثير من المعلومات رغم أخطاءها، لكنهم اتبعوا طرق علمية أثرت الحركة التأريخية، أهمهم علي الإطلاق، الفلكي والمستشرق البريطاني "جون جريفز" أحد أهم دارسي الأهرامات، والكاهن الفرنسي "كلود سيكارد" أول من أنتج خريطة لمصر سنة 1711، والقبطان والمستكشف الدانمركي "فريدريك لويس نوردن"، والأمريكي "كان ريتشارد بوكوك" حاكم ولاية تكساس وعضو مجلس الشيوخ الأسبق، والمؤرخ الألماني "أثانيسيوس كيرتشر"، أهم من قام بدراسة أولية على اللغة الهيروغليفية، ويعتبره الكثيرين أبو علوم "الايجيبتولوجي". 

وفي أواخر القرن الثامن عشر قام علماء حملة نابليون بونابرت بتسجيل الحياة النباتية والحيوانية والتاريخ في موسوعة وصف مصر، واتخذت دراسة "الايجيبتولوجي" شكلا علميا أكثر جدية بعد اكتشاف حجر رشيد عام 1822 ميلادية، لتبدأ مرحلة جديدة من علم المصريات، مرحلة يتم فيها كتابة التاريخ بناء على الاكتشافات الحفرية والبرديات واللوحات والنقوش على جدران المعابد والمقابر. 

ما بعد الحجر

في عام 1928، أي بعد نجاح "شامبليون" في فك رموز اللغة الهيروغليفية بحوالي ستة سنوات، وصلت أول بعثة يمكن تصنيفها بأنها علمية الطابع، لم تكن ذات هدف استكشافي بقدر ما كان الهدف منها بحثي في المقام الأول، البعثة ضمت عدد من العلماء المهتمين بالمصريات، علي رأسهم الفرنسيان "فرانسوا شامبليون"، وصديقه "نيستور لوت"، والذي وصف بأنه " مصرولوجي" من الطراز الرفيع، بالإضافة الي الايطالي أبوليتو روسيلليني. 

الحق يقال، أن تلك البعثة كان لها أثر كبير في تنظيم الحياة الأثرية في مصر، فبمجرد وصولها الي مصر، حصلوا علي تصريح بالتنقيب من والي مصر، محمد علي باشا، وقاموا باستكشاف 50 موقعاً، وسجلوا ملاحظاتهم في ستة مجلدات، كانت الأمور تسير بمنتهي السهولة لكل من يريد أن ينقب عن الآثار المصرية، فأسرع "شامبليون" الي والي مصر، ليقدم أول التماس مكتوب من نوعه، يقترح فيه تنظيم الحفريات، ووضع قوانين لمنع السرقة والتهريب للآثار المصرية، ولكنه للأسف لم يجد صدى لدى محمد على. 

بعد عامين من تلك الواقعة المأساوية، فطن قائد النهضة العلمية في مصر، رفاعة رافع الطهطاوي، والذي لم يتخطي الثلاثون من عمره بعد، الي نصيحة "شامبليون"، وكان أول علماء "الايجيبتولوجي" المصريين، فقدم هو الأخر التماساً، الي محمد علي باشا، ولكنه للمرة الثانية لم يتخذ أي إجراء، حتى جاء الفرنسي "أوجست مارييت"، والذي حصل علي الباشاوية كاعتراف بإسهاماته في الحفاظ علي الآثار المصرية. 

احتكار أجنبي 

رغم أن حضارتنا الفرعونية حضارة مصرية الطابع، سواء كان ذلك جغرافيا أو تاريخيا، إلا أن اللافت للنظر أن العلماء الأبرز في دراسة "الايجيبتولوجي"، وهو أحد فروع علم الآثار الذي يختص بدراسة التاريخ المصري القديم، من آداب ولغة وفنون وديانة وحفريات، أغلبهم يحمل الطابع الأجنبي، والأكثر من ذلك أنهم لم يحصلوا علي صفة الأبرز عن عبث بل لاكتشافاتهم الأثرية، ما جعلهم يحتكرون ذلك العلم، نظرة سريعة الي لستة العلماء الذين ظهروا طيلة القرنين الأخيرين ستجعلنا ندرك تلك الحقيقة، وكان من أهمهم علي الإطلاق، ما يلي: 

أولاً: أوجوست مارييت  

ولد العالم الفرنسي "أوجوست فردينان فرانسوا مارييت" بمدينة "بولوني سور مير" في شمال فرنسا عام 1812، جاء الي مصر سنة 1850، موفدا من قبل الحكومة الفرنسية للبحث عن بعض الآثار والمخطوطات، أصبح أول عالم أجنبي يلقب بـ"باشا" وهو لقب مصري رفيع المقام في تلك الفترة، وسبب حصوله عليه ما قام به من اكتشافات أثرت الحياة الأثرية في مصر، بالإضافة لتأسيسه المتحف المصري، ودائرة الآثار المصرية، والتي أصبحت المجلس الأعلى للآثار فيما بعد. 

طيلة ثلاثون عاما كاملة قضاها "مارييت" في مصر، عكف علي البحث والتقصي عن الآثار المصرية، بدأ بمنطقة سقارة، وأجرى حفائر عظيمة حتى كشف مدفن العجول "السرابيوم" وكان يعمل في التنقيب منفرداً، دون أن تكون له بالحكومة أي صلة رسمية، وقد نقل إلى فرنسا كثيراً مما عثر عليه من العاديات واللوحات الأثرية، وذات يوم قرر المهندس الفرنسي "فردينان دليسبس" أن يصبح مأموراً لأعمال العاديات بمصر، ونجح في إقناع صديقة الحميم "سعيد باشا"، فمنحة المنصب سنة 1858، ومارس "مارييت" عمله لأول مرة بشكل رسمي، وقام بالتنقيب عن العاديات والآثار، نقلت جميعها إلى مخازن أعدت لها في حي بولاق. 

وفي عهد "إسماعيل باشا" قام بإصلاح وتوسيع مخازن بولاق، وأقام لها حفل افتتاح ضخم سنة 1863، لتصبح أول وأكبر دار للعاديات والآثار المصرية حتي نهاية القرن، وطيلة تلك الفترة قام بجهوده في الاكتشافات الضخمة، فتحت اسمه وجهوده اكتشف الكثير من أهم اكتشافات معبد الدير البحري، إضافة إلى بعض الآثار في معبد الكرنك وهابو بالأقصر، كذلك اكتشافه تمثال خفرع بالجيزة، وتمثالي الكاتب الجالس وشيخ البلد في منطقة سقارة. 

ثانيا: جاستون ماسبيرو 

ولد العالم الفرنسي "جاستون كاميل شارل ماسبيرو" بمدينة "باريس" لأبويين ايطاليين عام 1846، أظهر اهتماماً مبكراً بالحضارة المصرية القديمة، وقبل أن يصل الي الرابعة عشر تمكن من قراءة نصين كُتبا باللغة الهيروغليفية، وقد حصل علي النصين من عالم الآثار "أوجست مارييت"، بعدها عكف علي دراسة المصريات وحده بإطلاعه على الآثار المصرية المحفوظة في متحف اللوفر، ونقوش المسلة المصرية بميدان الكونكورد، وبدأ اسمه يعرف في الأوساط العلمية بعد ترجمته لنصوص "مارييت". 

جاء "ماسبيرو" إلى مصر على رأس بعثة فرنسية في الخامس من يناير من العام 1881، أي قبل وفاة "أوجست مارييت" بحوالي 13 يوم فقط، وكان يجيد اللغة العربية، ما أهله لتولي منصب مدير مصلحة الآثار المصرية، وأمين المتحف المصري للآثار ببولاق، وكان عمره حينها لم يتخط الرابعة والثلاثين عاماً. 

لماسبيرو العديد من الاكتشافات العظيمة التي تؤهله خلفاً لأستاذه "مارييت"، فاستكمل الحفريات التي كان يقوم بها "مارييت" في سقارة ووسع من نطاق البحث، وكان مهتما بشكل خاص بالمقابر التي تحتوى على نصوص فرعونية مهمة تثرى اللغة الهيروغليفية، وقد عثر بالفعل على 4000 شطر قام بتصويرها وطباعتها، كما ارتبط إسمة بصورة كبيرة بالدير البحري بالأقصر، والذي عمل في مجال التنقيب والحفائر به لفترات طويلة، ثم فيما بعد أسس المعهد الفرنسي للآثار بالقاهرة، والذي أنشأه خصيصاً لدراسة الآثار المصرية بجميع فروعها وأنواعها. 

أهم ما قام به جاستون ماسبيرو طيلة تواجده في مصر مكافحته المستمرة لسرقة الآثار المصرية، فقام بنقل المئات من المومياوات والآثار المنهوبة إلى المتحف المصري، بل أستطاع أن يسن قانونا جديدا صدر في عام 1912، ينص على أن لا يُسمح للأشخاص بالتنقيب، والذي يقتصر فقط على البعثات العلمية، وبعد الموافقة على مشروعها، ولم يصبح من حق الحفارين الحصول على نصف ما يعثرون عليه، لكنهم يحصلون فقط على القطع التي لها مثيل بمتحف القاهرة، ولا يمنح القائم على الحفائر تأشيرة خروج من مصر إلا في حالة تركه الموقع الأثري في صورة مُرضية، مما أثار عليه غيظ وحقد المهربون الأجانب وتجار الآثار، كما فرض مقابلاً لمشاهدة المناطق الأثرية لمواجهة النفقات التي يحتاجها للتنقيب وأعمال الصيانة. 

ثالثاً: هوارد كارتر 

ولد عالم الآثار الانجليزي "هوارد كارتر" بمقاطعة "كينسينجتون" اللندنية عام 1874، أبدي شغفاً مبكراً بالحضارة المصرية، حتي أنه غامر بالمجيء عام 1891 الي القاهرة، ولم يكن قد جاوز السابعة عشر  بعد، وبدأ في دراسة النقش والرسم الهيروغليفي، وقبل أن يصل الي العشرين من عمره، عمل بالاكتشافات الأثرية بمقابر "بني حسن"، مقر مقابر أمراء مصر الوسطى، والتي حكمت مصر قبل أربعة آلاف عام مضت، ثم عمل في مواقع أثرية كثيرة في مناطق تل العمارنة وإدفو وأبو سمبل، كما أنه اكتشف أثار تعود للملكة حتشبسوت في مقبرة بالدير البحري في العام 1899، علي أثرها التحق بوظيفة بالمجلس الأعلى المصري، وما لبث أن استقال بسبب خلاف بين حراس موقع أثري مصري وبعض السائحين الفرنسيين عام 1906. 

وفي عام 1907، وبعد مرور سنوات وصفت بالقاحلة، تعرف كارتر على اللورد "جورج إدوارد ستانفورد مولينكس هيربرت" أو ما عرف باللورد "كارنارفون"، وهو ارستقراطي انجليزي يُعد أحد الهواة المتحمسين للرحلات الاستكشافية، حتي أنه وافق بسهولة علي تمويل بعثات "كارتر" الاستكشافية، وفيما بعد أصبح "كارتر" المسئول عن كل أعمال التنقيب عن الآثار الخاصة ب"كارنافون". 

والحقيقة أن "هوارد كارتر" أضحي فيما بعد أحد أبرز العلماء الذين حفروا أسماءهم في تاريخ علم "الايجيبتولوجي"، لما حققه من اكتشافات قيمة، لعل أبرزها علي الإطلاق اكتشافه مقبرة الفرعون المجهول "توت عنخ آمون" أحد فراعنة الأسرة المصرية الثامنة عشر، وذلك في الرابع من نوفمبر 1922، ويعد هذا الاكتشاف أبرز اكتشاف أثري على مر التاريخ، وكان له صدى عالمي غير مسبوق. 

رابعاً: فلندرز بيتري 

ولد عالم المصريات الانجليزي "سير وليام ماثيو فلندرز پتري" بمقاطعة "تشارلتون" جنوب شرق لندن عام 1853، رغم انه لم يتلقي أي تعليم مدرسي، إلا انه وفي الثامنة من عمره، تمكن من تلقي علومه الأثرية علي يد والدية في المنزل باللغات الفرنسية واللاتينية واليونانية، اكتسب أهميه كبري حتي أصبح رائداً للمنهج المنظم لعلم الآثار، فقام بالتنقيب عن الآثار في العديد من أهم المواقع الأثرية في أبيدوس والعمارنة، حتي توصل إلي أهم الاكتشافات بتوصله الي "نصب مرنبتاح"، الابن الثالث عشر لرمسيس الثاني، وما تحويه من انتصارات. 

يُعد "فلندرز بيتري" أول علماء المصريات اكتشافا للطرق الهندسية لبناء أهرامات الجيزة، وقام بأول قياسات دقيقة للهرم عام 1880، كما قام بالعديد من الحفائر في هذه المنطقة، واكتشف العديد من المقابر الموجودة بها، إضافة إلى قيامه بعدد من المشروعات البحثية في مجال التنقيب عن الآثار في منطقة "تانيس"، أو "صان الحجر" بمحافظة الشرقية، ومنطقة "تل نيشة" بدلتا النيل، ما أهله للحصول علي لقب "فارس" في عام 1923، لخدماته في علم الآثار وعلم المصريات، خاصة بعد أن ابتكر نظاماً خاصاً للتنقيب عن الآثار الضخمة مازال معمولا به حتي الأن. 

وفي عام 1926، تحولت اهتمامات "فلندرز بيتري" بشكل دائم إلى فلسطين، ثم بدأ حفريات في عدة مواقع هامة في المنطقة الجنوب غربية لفلسطين، علي الأخص في "تل العجول" بقطاع غزة، وفي 1933، وبمجرد تقاعده من الأستاذية، انتقل بصفة دائمة إلى القدس، حيث عاش مع زوجته في المدرسة البريطانية لعلم الآثار، ثم عمل مؤقتاً في المدرسة الأمريكية للأبحاث الشرقية، يسمى الآن معهد "ألبرايت"، إلي أن توفي ودُفن بمدينة القدس وفق وصيته. 

أسوأ ما لوث تاريخ عالم المصريات "فلندرز بيتري" الذي بدأ حياته بدراسة تاريخ مصر ما قبل الأسرات، هو محاولاته الدائمة لتهويد التاريخ المصري، رغم مساهمته الكبيرة في إنشاء متحف بيتري للآثار المصرية في بريطانيا، ففي عام 1913 باع بيتري مجموعته الكبيرة من الآثار المصرية إلى الكلية الجامعية بلندن، ومنها تكون المتحف، وقد حاول كثيرا أن يثبت أن كلمة "يسريار" التي ذُكرت في نصب "مرنبتاح" هي ما جاءت في التوراة باسم "أوسريار" أو "أوسرييل"، أي إسرائيل، لكن محاولاته ذهبت ادراج الرياح حينما تم الكشف عن أن "يسريار" قبائل تقطن جنوب الأردن، غير معروفة المنشأ ولم يدخلوا مصر. 

خامساً: جاردنر ويلكنسون 

ولد عالم المصريات الانجليزي "سير جون جاردنر ويلكنسون" بقرية "ليتل ميسندن" بمدينة "باكينجهامشير" عام 1797، رغم انه تربي تربية دينية، باعتباره إبن رجل دين كبير في "ويستمورلاند"، إلا انه ابدي عشقا كبيراً لعلم الآثار، ولظروفه الصحية السيئة اضطر للسفر الي إيطاليا عام 1819، وهناك التقي عالم الآثار الكلاسيكي "السير وليام جيل فرس"، وعلي يديه ازداد لعلم الآثار عشقاً، وفي 1921 قرر الذهاب الي أقدم وأهم البلاد التاريخية لدراسة الآثار، فوصل مصر في أكتوبر من نفس العام، وعمره لم يتخط بعد الرابعة والعشرين. 

عاش "جاردنر ويلكنسون" في مصر 12 سنة فقط، استطاع خلالها أن يوثق سلوكيات المصريين القدماء من خلال الرسوم والنقوش والمناظر العامة على جدران مقابر كبار الشخصيات في البر الغربي، ما أهله لأن يلقب بـ"مؤرخ" العادات المصرية، وغالبا ما يشار إليه باسم "أب علم المصريات البريطانية، وترك للمجتمع الإنساني عده مؤلفات عن علوم "الايجيبتولوجي" أهمها علي الإطلاق سلسلة "سلوكيات وعادات المصريين القدماء، الذي نشر في ثلاثة مجلدات عام 1837. 

سادسا: كارل ليبسيوس 

ولد عالم المصريات الألماني "كارل ريتشارد ليبسيوس" بمدينة "نومبورغ" بولاية "ساكسونيا" عام 1810، لشغفه الكبير بعلم الآثار، قرر الانتقال عام 1833 الي عاصمة النور الفرنسية "باريس"، ليستمع الي عدد من المحاضرات العلمية للعالم الفرنسي " جان ليترون"، احد أهم تلاميذ "شامبليون"، فعكف علي دراسة دراسات "شامبليون" للغة الهيروغليفية، وتوصل الي أن الحروف المتحركة لم تكن مكتوبة، فأضحي أول من يقرأ هذه الرموز بشكل صحيح، لذلك يعد واضع حجر أثاث "الايجيبتولوجي". 

في عام 1842 وبناء علي توصية من وزير التعليم الألماني "يوهان إيتشورن"، أمر الملك "فريدريش فيلهلم الرابع" بسرعة تشكيل بعثة ألمانية علي غرار البعثة النابليونية، إلى مصر والسودان لاستكشاف وتسجيل بقايا الحضارة المصرية القديمة، وقد قام "ليبسيوس" خلال رحلته بتوثيق 67 هرماً، و130 مقبرة لنبلاء فراعين، إضافة إلى فك رموز عدد كبير من الوثائق الهيروغليفية وتلخيصها، وقبل أن يغادر مصر كتب باللغة الهيروغليفية نصا يكرم به "فريدريش فيلهلم الرابع" فوق المدخل الأصلي للهرم، ويمكن رؤيته حتي اليوم. 

وصلت بعثة "ليبسيوس" إلى طيبة في الثاني من نوفمبر 1844، حيث أمضوا أربعة أشهر في دراسة الضفة الغربية لنهر النيل، وقامت باستكشاف أهم مواقعها، علي الأخص معبد "الرامسيوم"، ومدينة "هابو"، ووادي الملوك، وغيرها، وفي الضفة الشرقية قامت بالكشف عن معابد الكرنك والأقصر، في محاولة لتسجيل أكبر قدر ممكن، وبعد ذلك توقفوا في مدينة "قفط" بمحافظة قنا، قبل عودتهم إلى أوروبا في عام 1846. 

وإضافة إلى الوثائق الفريدة التي خلفها "ليبسيوس" عن رحلته الاستكشافية إلى وادي النيل، قام بتأليف مجلدات ضخمة ومهمة عن هذه الرحلة، تضم ما يقرب من 900 من اللوحات من النقوش المصرية القديمة، فضلا عن التعليقات والأوصاف المصاحبة لها، وقد ظلت هذه الخرائط ورسومات المعابد والجدران والمقابر التي تم رسمها بالقلم الرصاص والحبر الصيني فريدة من نوعها، فهي المصدر الرئيسي للمعلومات طيلة القرن العشرين، وهي مفيدة حتى اليوم لأنها غالبا ما تكون السجل الوحيد للآثار التي تم تدميرها منذ ذلك الحين أو إعادة دفنها. 

ولدي عودته إلي برلين عام 1846 عُين أستاذا للعلم المصري في جامعة برلين، تركت بعثته العلمية الاستكشافية في وادي النيل حاملا معه أكثر من 1500 قطعة أثرية شكلت نواة المتحف المصري الذي تم تشييده بناء على اقتراح ليبسيوس نفسه في برلين. 

الغرب وحدهم 

هناك بالطبع عدد كبير من رواد "الايجيبتولوجي"، فمن الايطالي " نيكولا فرانشيسكو إيبوليتو بالداسار روزيليني" والذي حضر الي مصر في بعثة أثرية إيطالية عام 1828 ونشر مجلدا ضخما بعنوان "أثار من مصر والنوبة"، الي العالم السويسري "إدوارد نافيل"، والذي زار مصر عام 1865، وارتبط بالنصوص الشمسية، وهي النصوص التي كان يتلوها المصريون القدماء لمنحهم الحياة من قبل الإله "رع" إله الشمس عند المصريين، والكيميائي البريطاني "الفريد لوكاس"، مساعد "هوارد كارتر"، والذي قام بالحفاظ علي الأثاث الجنائزي للملك توت عنخ آمون وتحليل المواد المختلفة في القبر، وبفضله وضع اللبنة الأولى لدراسة التحليل الكيميائي للمعادن والأحجار الأثرية، وعالم اللغة القبطية السويسري "رودولف كاسر"، وعالم المصريات الألماني "إميل بروجش"، والمعروف باسم بركش باشا، والذي قدم أول قاموس فى اللغة المصرية القديمة، وهو من سبعة أجزاء، بالإضافة الي قاموس جغرافي أخر عن أسماء المدن المصرية القديمة، والكثير والكثير من الأسماء الغربية.