تدوين المذكرات ليس بالأمر الهيِّن، أن تكتب مزيجًا من الذكريات والمواقف المؤلم منها والسعيد، التي تمر بها ومعها بعض الأسرار المجهولة والخافية عن الكثيرين مسألة غاية في الصعوبة وقد لا يقدر عليها سوى قلة قليلة.
"صلاح أبو سيف" الذي تتزامن ذكرى ميلاده اليوم، العاشر من مايو، تعد مذكراته من الأشياء التي تحب أن تتطلع عليها وتقرأها بتمعن وتركيز لتتبع بعض الأفكار التي كانت تدور في رأسه العبقري.
كان أساسها حديث من القلب مع الكاتب الصحفي "عادل حمودة" الذي سجلها على عدد من اللقاءات والحلقات، وقد جاءت تحت عنوان "صلاح أبو سيف مذكرات مجهولة " وصدرت عن دار ريشة للنشر بالقاهرة، وقد فسر "حمودة" تأخر نشرها آنذاك بسبب فقدان المسودة الأصلية التي عثر عليها لاحقًا ليبدأ رحلة تدوينها، واصفًا إياه بالصريح البسيط الذي يتحدث لنفسه بصوت مرتفع حيث كان حديثهما بعيدًا تمامًا عن فكرة الحوار القائم على سؤال وجواب بل كان يتحدث أبو سيف عن كل ما يخطر بباله دون تفكير.
كما كانت مسيرته السينمائية تحت الأضواء كان هناك بعض الجوانب التي لم تر النور وظهرت في تلك المذكرات، فتحدث عن مرحلة الطفولة القاسية كما بدت من حكاياته عن الأب الذي كان يملك العديد من الأفدنة الزراعية ورغم ذلك يتنكر لابنه ولا يرغب قي رؤيته، ولا ينفق عليه بعد أن قررت الأم الشابة أن تعيش في حي بولاق الذي ينتمي لمنطقة شعبية بالقاهرة بدلًا من الانتقال لبني سويف في الإمبراطورية التي بناها الأب، والتي لا تخص الأموال والأملاك بل النساء اللاتي تزوجهن والده واحدة تلو الأخرى.
لذلك عوقبت بالطلاق والحرمان وعدم التفكير في الابن أو الإنفاق عليه رغم حصولها على حكم قضائي ولكنها لم تستطع مقاومة نفوذه.
طفولة صعبة وقاسية عاشها أبو سيف ربما كانت فيما بعد سببًا في واقعية أفلامه، وقد تولى الخال بعد ذلك الإشراف على أبو سيف وتربيته وتعليمه.
صلاح أبو سيف
ولكن ميول الخال السياسية قادته لبعض الاجتماعات الثائرة التي كانت تستهدف الثأر من الاحتلال الإنجليزي والتنديد به عبر منشورات مع تنظيم خلايا سرية، وترصد المذكرات حكاية اقتحام البوليس السياسي ذات يوم لمنزل العائلة لتفتيشه بحثًا عن منشورات، ولكن كانت الخالة قد نجحت في إخفاء كل ما كان لديه بين الخبز، وتذكر "صلاح" تلك الواقعة جيدًا مؤكدًا أن عينيه كانت على السلة التي أخفت فيها المنشورات، كما تذكر أنهم أخذوا خاله معهم ووضعوا الحديد في يديه .
أحب الحارة الشعبية وشعر بالانتماء لها، هكذا عبرت كل حكايات أبو سيف عن عشقه وتقديره لها ولأهلها، خاصة تلك التي انتمى لها، ومن معالمها الحانوتي الذي تحدث عن خفة ظله وبشاشة وجهه حرصًا على عدم تنفير الناس منه بسبب عمله، وتذكر ابن الحانوتي الذي كان صديقًا له وكذلك ابن البقال، الأمر الذي جعله على دراية بكل تفاصيل الحارة لدرجة جعلت الحارة جزءا من كل أفلامه.
صلاح أبو سيف
لم يغفل الحديث عن الأم التي كانت تتولى مسئوليته، فكانت له الأم والأب في جسد واحد، الأمر الذي جعلها تمزج بين الشدة واللين، القسوة والرأفة.
حكى أيضًا عن البيت الذي نشأ فيه، والذي كان أقرب للطراز المملوكي بمدخل رخام وزخرفة إسلامية وأرابيسك لذلك أحب الشخصيات المستوحاة من هذا الشكل الروحاني والطراز الإسلامي الفريد، وقد علَّق حمودة على الأمر بأنه أمر لم يذكره أو يركز عليه النقاد لاهتمامهم بالحياة الاجتماعية وأبعاد الصراعات التي وقعت في أفلامه.
وكما احتلت السينما جانبًا كبيرًا من حياته كان لها نفس الشيء في مذكراته التي أظهرت حبه للسينما منذ الطفولة، حيث روى لحمودة عن أحد الأيام التي اتجه فيها إلى دار سينما بحي عابدين وكانت تشهد زحامًا كبيرًا، فسأل عن سعر التذكرة في الشباك وعلم أنه قرش صاغ، وهو ما يعادل مصروفه ليومين، ولكن لم يتردد في التضحية بمصروفه في مقابل متعة السينما وأجوائها الخاطفة، وقد كان العرض لفيلمين أحدهما "لشارلي شابلن" والآخر لممثل إيطالي قديم من نجوم السينما الصامتة هو "إيلامو لنكولن".
ورغم خروجه مُفلسًا لا يملك شيئًا واضطراره للسير على أقدامه، إلا أن سعادته أنسته أي تعب وأفصح لأمه وخاله عما أقدم عليه ولم يستطع إخفاء آثار السحر الذي رآه، ورغم تلقيه عقابًا شديدًا إلا أنه تحمل ولم يندم أو يغضب ودون أن تصدر عنه دمعة واحدة.
ولاستوديو مصر مكانة كبيرة في قلب "أبو سيف" أشار إليه في مذكراته، وتحدث عن فيلم العزيمة الذي شارك فيه كمساعد مخرج لكمال سليم، حيث كانت المرة الأولى التي تصور حارة مصرية في فيلم يظهر فيها على الشاشة الحلاق والحانوتي والجزار وبنات الحارة.
وتذكر أحد المواقف التي جمعته بكوكب الشرق أم كلثوم عندما دخلت عالم السينما، حين كان أبو سيف مسئولًا عن مونتاج فيلم تصوره في أستوديو مصر، وكانت حريصة على متابعة المونتاج معه كل يوم بعد الانتهاء من التصوير، حيث ظن أن اهتمامها بالحضور لأمر يتعلق به وليس بالفيلم خاصة وأنها كانت تعامله بلطف شديد كعادتها، ورغم ذلك ظن أنها أحبته وترغب في الزواج منه.
صلاح أبو سيف وأم كلثوم
وقد استكمل روايته لهذا الموقف الطريف بما تبين له بعد ذلك من نية أم كلثوم في تزويجه من فتاة تقربها، موضحًا أنها حين علمت باهتمامه بفتاة أخرى تراجعت عن اهتمامها وإحضار الطعام لقسم المونتاج بالاستوديو.