هو واحد من العباقرة الذين تدين لهم السينما المصرية بجزء من تاريخها العظيم، يحفظ مكانه ومكانته بين مبدعيها وأساتذتها باسمه الحاضر دائماً رغم الغياب والرحيل.
"صلاح أبو سيف"، والذي تحل الليلة ذكرى ميلاده؛ نظرًا لمولده الذي نشأ في منطقة بولاق ولكن بأصول وعائلة تمتد جذورها لمركز الواسطى ببني سويف،
حصل على دبلوم في المحاسبة وعمل في شركة الغزل والنسيج بمدينة المحـلة الكبرى بمحافظة الغربية، وكتب في الصحافة الفنية، وكان هذا المزيج كفيلاً ببلورة شخصية رجل يهوى الاختلاف، ولكنه لم يستطع مقاومة شغف عالم السينما الذي تسرب إلى قلبه، فقرر دراسة فروع السينما المختلفة وكل ما يتعلق بها.
وفي عام 1936 حان موعد الصدفة التي منحت حلمه ما يكفيه من القوة والإصرار ليستمر، التقى بالمخرج نيازي مصطفى في مدينة المحلة، والذي ساعده في دخول عالم استوديو مصر عبر بوابة المونتاج فبدأ بالعمل في القسم حتى أصبح رئيسًا له لمدة عشر سنوات، تتلمذ خلالها على يديه الكثير والكثير في فن المونتاج.
وفي عام 1939 عمل مساعد أول للمخرج كمال سليم في فيلم "العزيمة"، وذلك قبل سفره لفرنسا، ولم تدم الغربة طويلاً حيث عاد في آخر العام بسبب الحرب العالمية الثانية.
فيلم العزيمة
ليحين موعد الصدفة أو بالأحرى الخطوة الأهم في عام 1946 حيث قدم تجربته الأولى في الإخراج السينمائي الروائي من خلال فيلم "دائماً في قلبي".
وفيما يشبه رحلات الطيور المهاجرة عاد "أبو سيف" من إيطاليا حيث كان يقوم بإخراج النسخة العربية من فيلم "الصقر" بطولة عماد حمدي وسامية جمال، عاد مُحمَلاً بالكثير من الأفكار والحنين للسينما الواقعية في إيطاليا والأهم الرغبة في خوض تلك التجربة بالتطبيق على السينما المصرية، كما تأثر في بعض أفلامه بالسينما السوفيتية.
فيلم الصقر
لم يكن "أبو سيف" مخرجاً لأفلامه فقط بل شارك في كتابة السيناريو لها إيماناً منه بأهمية تلك المرحلة لإخراج فيلم سينمائي متميز، بالإضافة إلى التأكد من اتساق السيناريو مع أفكاره وطريقته الإخراجية.
"21" فيلما تسجيليا قصيرا وخمسة أفلام تمثيلية قام بإخراجها "أبو سيف" في رحلة حافلة بالأفلام الروائية الطويلة، حوالي 40 فيلمًا منها الأسطى حسن، أنا حرة، لا أنام، الطريق المسدود، بداية ونهاية، القاهرة 30، لا تطفئ الشمس، رسالة من امرأة مجهولة، هذا هو الحب وغيرها من الروائع السينمائية الخالدة، كما أخرج للسينما العراقية فيلم "القادسية" عام 1982، وتعاون معه عدد كبير من الفنانين العرب، الأمر الذي منحه صبغة سينمائية عربية شاملة.
صلاح أبو سيف
تقلد "أبو سيف" مناصب عديدة فكان أستاذ مادة الإخراج في المعهد العالي للسينما منذ عام 1959 ورئيس مجلس إدارة الشركة العامة للإنتاج السينمائي في الفترة من 1963 إلى 1965، وكان عضو لجنة السينما بالمجلس الأعلى للفنون والآداب، وكذلك عضو لجنة الفنون بالمجالس القومية المتخصصة، وعضو مجلس إدارة صندوق دعم السينما وعضو مجلس إدارة غرفة صناعة السينما، كما كان رئيساً لأول شركة سينمائية قطاع عام "فيلمنتاج" في الفترة من عام 1961 وحتى 1965.
تلك الرحلة الحافلة والعطاء الكبير لم يكن ليكفيها كلمات التقدير أو عبارات الشكر والثناء على أعمال فنية متميزة بل كان لابد من الاحتفاء الدائم والتكريم المستمر لمكانة واسم صلاح أبو سيف، فقد تم تكريمه في مهرجانات نانت، مونبلييه، طولون، باريس، قرطاج، ورتردام وبوادبست، فيينا، ميونخ، مانهايم وجنيف، زيورخ، لوزان ، بال بسويسرا كما حصل على ميداليات من دول أوروبية مختلفة وكذلك ميدالية الريادة من وزارة الإعلام المصرية، وحصل على وسام الفنون عام 1963، وكذلك وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1990، وحصد جائزة أحسن مخرج من الدولة عن أفلام : " شباب امرأة" هذا هو الحب " ، "بداية ونهاية" و"حمام الملاطيلي"، وحصد نفس الجائزة "أحسن مخرج" عن فيلم " القاهرة 30 " من الجامعة العربية، وأيضاً عن أفلام السقا مات وبين السماء والأرض، وحصل على الجائزة العالمية عصا شارلي شابلن الذهبية" عن أحسن فيلم كوميدي" بسويسرا عام 1968
وقد وصلت أصداء أعماله المميزة وتفرده في الإخراج إلى أنحاء العالم، الأمر الذي دفع الناقد والكاتب الفرنسي الشهير جورج سادول إلى الكتابة عنه ضمن أهم 100 مخرج سينمائي في العالم، بل كان اسمه في مقدمة القائمة مشيراً إلى أنه المخرج الأكثر مصرية –على حد وصفه- كما أن له عدة مؤلفات منها: "فن كتابة السيناريو"، "كيف تكتب سيناريو سينمائي"، "فن وبحث عن السينما والطبقة العاملة" و"بحث عن السينما والاشتراكية".