خاص شهادة صحفية في أفغانستان.. جولة في شوارع كابول

أفغانستان - الأمر بالمعروف تغلق المستشفيات منعا للاختلاط

الأفغان يفترشون الأرصفة ويبيعون الهواء

لافتات طالبانية: الإسلام المقدس يحرم المخدرات

دوائر وتنظيمات شعبية ضد الأخطبوط الملقب «أمير المؤمنين»

الأفغانيات: لن نستسلم لترهيب طالبان ولدينا مدارس سرية للفتيات

رسالة من ناظرة المدرسة: أغيثونا من تلك الحركة الهمجية

كيف يعيش الشعب الأفغاني؟ وهل نجحت حركة "طالبان" في تقديم حلول للفقر والجوع الطاحن الذى يتعرض له الأفغان؟ وكيف ترى المرأة الأفغانية نفسها وقد حرمت من التعليم وسجنت وراء "الشادوری"؟ وما حقيقة الدور الذي تقوم به منظمات المساعدات الدولية مثل "الأمم المتحدة والصليب الأحمر"؟

أسئلة ثقيلة تحتاج لا محالة لإجابات، فهل تسمح لنا ظروف الحصار الذي فرضته علينا وزارة الخارجية بالإجابة؟ هل ترحمنا عين المرافق الذي بات مراقبا لكل صغيرة وكبيرة لخطواتنا بدءاً بالتجول في شوارع كابول والحديث مع ناسها؟

بالتاكيد الإجابة صعبة ولكنها ليست مستحيلة.

المراقبون المعينون من قبل الخارجية لمرافقة الصحفية

عبقرية الحرية

بمعجزة ربانية استطعنا أن نكون أحرارا في العاصمة الأفغانية، تلخصت في اعتذار مراقبنا عن عدم المجيء لاصطحابنا كالعادة كل صباح من الفندق، ليؤجل موعد جولتنا بعد صلاة العصر.

وأخيراً نتنفس الصعداء ونقرر بلا تردد أن نخرج وحدنا من الفندق.

جميلة وعبقرية وممتعة الحرية، هكذا كان إحساسنا ونحن نتحرك دون أي توجيه أو رقابة من أحد، كثيرة هي الأسئلة التي تحاصرنا، إذ كيف نتغلب على حاجز اللغة بيننا وبين الناس، وكيف ندخل بيوتهم ونجالسهم لنتعرف منهم على أدق الأمور.

أصفهاني الحل

ورقة صغيرة كان قد دسها في يدي الطبيب المجهول الذي التقيناه في بيشاور واصطحبنا إلى مدينة جلال آباد، لا أعرف كيف نسيتها في ظل كل هذا الزخم الذي نعيشه، كان قد كتب لنا فيها اسم صديقه الطبيب نور أصفهاني وعنوانه تفصيليًا في أحد أحياء كابول، وطلب منا أن نذهب إليه إذا احتجنا شيئًا، ويبدو أن دوره قد حان.

بلا تردد كنا في أحد التاكسيات متجهين لمنزل الرجل الذي ارتاب في البداية، وسرعان ماهدأ عندما ذكرنا له اسم طبيب جلال آباد، رحب بنا وغاب كثيرا تاركا بين أيدينا أكواب الشاي ويبدو أنه كان يتأكد من شخصياتنا أو يتواصل مع صديقه.

أصفهاني كان بمثابة ثروة لا تقدر بثمن بل نقطة مياه غالية في صحراء قاحلة بالنسبة إلينا، إذ كان همي الثقيل هو فكرة الوصول إلى البسطاء المنتشرين في شوارع كابول، أريد أن أتحدث معهم، اسمع منهم كيف يواجهون الفقر والجوع ما المهن التى يعملون بها؟ وكيف ينظرون إلى رجال "طالبان" ؟ هل هم راضون عن تلك الحياة؟ ام أن هناك تذمرا كامنا في النفوس؟

الإسلام المقدس

اصطحبنا الرجل في سيارته الخاصة في جولة سريعة لشوارع وأحياء المدينة، لفت نظرى بعض عبارات كتبت بلغة "البشتو" على جدران المنازل والوزارات طلبت منه أن يترجمها لى باللغة العربية التي يجيدها فكانت أهمها تلك التي تقول" الإسلام المقدس يحرم استعمال المواد المخدرة".

ابتسم الرجل ساخرا وهو يترجمها ثم قال: الطالبانيون يحرمون حتى الهواء الذي نتنفسه.

عقلي سلاحي

سألته: لماذا لم تهاجر لأى بلد آخر كما فعل الكثيرون؟

- رد قائلا إن كل من يترك وطنه وقت الشدة ليس له وصف سوي جبان. أحب وطنى وأعتز به، دوری هنا وسط التوترات والحروب والكوارث هو مواجهة هذا الكم من التخلف والوقوف أمامه، صحيح أنني لا أملك سلاحا سوى عقلى ولا أمتلك "آر بي جي" أو مدافع رشاشة، ولكنني سأنتصر في النهاية.

قلت: لدينا مثل مصرى شهير يقول «يد واحدة لا تصفق» فكيف لك وحيدا مواجهة تلك العمائم؟

- لست وحيدا وليس صحيحا أن يدي هي الوحيدة التي تحاول التصدي، على تلك الأرض التي نسير عليها توجد معارضة قوية ولكنها تعمل سرا وتجند الكثيرين من الشعب الأفغاني المكلوم، لنا دوائرنا السرية وتنظيماتنا القوية داخل كل الأقاليم الأفغانية وخاصة في "قندهار" معقل حركة "طالبان" ومركز الإخطبوط الملقب بأمير المؤمنين، نحن في طريقنا لحشد أكبر قوة من الشعب لنتخلص من تلك الآفة المظلمة.

قطع حديث الرجل معي مبنی من أفخم ما يمكن ولكن يبدو أنه قد اصبح مهجورا لا صاحب له قبل أن أساله أجابني:

- ذلك هو "المستشفى الإيطالي" أغلقه أيدي جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في وجه المرضى وطردتهم. أعرف صديقا لى دخل المستشفي لإجراء عملية استئصال الطحال وبعد ساعة واحدة من إجراء العملية هاجمت جماعة الأمر بالمعروف المستشفى وطردت المرضى، فلقي الرجل حتفه في نفس اليوم الذي طرد فيه، أي إسلام هذا الذي يعطى الحق لهمج أن يلقوا بمرضي تحت العلاج إلى الخارج؟

ولماذا تم إغلاق المستشفي ؟

- لسبب أحمق وهو أنهم عرفوا أن هناك سيدات يعملن بمهنة التمريض داخل المستشفي، بل ويرتدين زى التمريض العادي دون ارتداء "الشادوري" وأيضا هناك أطباء رجال يعملون في نفس المستشفي إذن يحدث الاختلاط وهو من الكبائر لديهم.

ساد الصمت قليلاً فوجدتني أحادث نفسي "هزل أم عبث" أم ماذا؟

- المهم أن هذا شي لا يصدقه عقل ونحن في القرن الواحد والعشرين حتى أن مهنة التمريض تتسم بالملائكية والزي الذي ترتديه الممرضات يدخل البهجة على قلوب المرضى الذين ابتلاهم الله سبحانه وتعالى فتصوري كيف ستكون حالة المريض إذا دخلت عليه الممرضة وهي ترتدى تلك الخيمة التي يطلقون عليها "الشادوري"؟ أظن أن الرعب سيدب في قلبه بل ومن المحتمل أن يصاب بأزمة قلبية.

الإغلاق حطم حلمي

أريد أن ألتقي بسيدات فهل من فرصة؟

- المسألة في غاية الصعوبة ولكن لدى بعض الأصدقاء سوف نذهب إليهم على الفور، ويمكن لك أن تقابلي زوجاتهم، ولكن لا يأخذك الوقت معهن ولا تنسي أننا نتحرك في سرية تامة، ولو اكتشف أحدهم أمرنا سنذهب إلى حيث لا ندري.

منزل واحد هو الذي ذهبنا إليه وبقدر فقره وتواضعه الشديد بقدر نظافته وتأنقه، على الفور وجدت نفسي في حجرة صغيرة وحدي لحظات ودخلت سيدة ترتدي "الشادوری" وما إن رفعته ظهرت ملامح فتاة فی العشرينيات من العمر.

حديث مع فتاة عشرينية

"سبحان الخلاق فيما خلق"، هكذا حدثت نفسی وسرعان ماتبادلنا الحديث الذى كان لحسن الحظ باللغة العربية سألتها مباشرة:

أين تعلمت اللغة العربية؟

- في المدرسة عندما كان لدينا مدارس نتعلم فيها، أحببت اللغة العربية وكنت أتمني العمل بمهنة التدريس وخاصة بتلك اللغة، فيكفي أنها لغة القران الكريم. كدت أن أنتهي من دراستى الثانوية، ولكن جاء القرار بإغلاق مدارس الفتيات، فتزوجت وجلست كما ترين في المنزل، أنجب الأولاد وأرعى زوجی وأدیر شئون منزلي.

وهل أنت راضية عن تلك الحياة؟

وماذا لو لم أرض ما الذي سيتغير؟ أفضل شيء أن أقنع بما قسمه لي الله سبحانه وتعالى.

فاجأتني عندما قالت: كل ما أتمناه ألا أنجب فتاة أبدا، لماذا تجيء فتاتي إلى الدنيا فتجد نفسها محرومة من أبسط الحقوق والتعليم، ومرغمة على أن تكون حبيسة منزل وأوامر زوج؟ حقا لا أريد أن أنجب فتاة.

ساد الصمت بيننا لوهلة ثم سألتها بحدة:

هل هذه هي النهاية. هل استسلمت نساء أفغانستان إلى تلك الأوامر الطالبانية التي حكمت عليكن بالحرمان من التعليم ؟

- أجابتني بتحدٍ: نحن شعب تعودنا على الإصرار، شعب عنيد بطبعه، لدينا بعض المدارس الخاصة التي تفتحها بعض السيدات سرا في بيوتهن ويقمن بتعليم الفتيات وعقد امتحانات ومنح درجات، ولكن سرا ولو علمت جماعة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لقتلتنا جميعا.

هل تعرفين واحدة منهن؟

- جارتي تسكن بجانبنا يمكن لك أن تزوريها، ولكن الأفضل ان تأتي هي إلينا وسوف أرسل لها الآن ابني الأكبر.

انقذونا

سرعان ما كانت أمامي ناظرة المدرسة السرية. سيدة عادية جدا تقترب من الثلاثين. وجهها يتمتع بقوة وصلابة ليست عادية قبل أن أوجه لها أسئلتي وجدتها تتكلم لتجيب عما يدور في ذهني:

"أنت عربية و لأول مرة يجئ، إلينا عرب كل من يأتين هنا صحفيات أجنبيات وكثيرا ماعقدت مقابلات معهن ولم أخش تلك الحركة الهمجية التي لم تجد سوى النساء باعتبارهن من القوى الضعيفة في المجتمع لتصب حقدها وضعفها علينا، ولأنك أول صحفية عربية تدخلين إلى أفغانستان وتتحملين عناء شديدا من أجل مقابلتنا؛ فسوف أحملك رسالة هي أمانة ومسؤولية انشريها على صفحات جرائد كل الدول العربية والإسلامية رسالة من سيدة أفغانية محبوسة في خيمة ظلامية يقولون عنها "الشادوري" ذلك الذي يجعل المرأة بلا ملامح، مثل العفريت أو الكابوس؛ عندما أرتديه أشعر وكأنني أقول للرجال ابتعدوا عنى لأني فتنة، إنه يشعرنی بأنتي خلقت من أجل أن أكون إناء للرجل. رسالة اعتبريها باسم كل السيدات الأفغانيات اللاتي حرمتهن حركة «طالبان» حق التعليم، وحق الحرية، وحق العمل، قولى للعالم العربي إن الأفغانيات يستنجدن بكم، قولى لهم على لسانی انقذونا من هؤلاء الهمج، خلصونا من حركة طالبان بيدو أن صوت المرأة كان عاليا ويبدو أن هناك خطرا ما لاح في الأفق، فطلب منى هذا أصفهاني سرعة التحرك.

ناظرة المدرسة السرية

سيارات الفساد الدولي

في لمح البصر كنا بالخارج في السيارة لنستكمل بقية الرحلة السرية، منذ اللحظة الأولى التي خطت فيها أقدامنا داخل الحدود الأفغانية وسيارات المساعدات الدولية الخاصة بالأمم المتحدة والصليب الأحمر تروح وتجيء في كل الأوقات.

مشهد يوحي بأن عملها يتم على قدم وساق وأن المساعدات الدولية تصل إلى المواطنين، حتى قبل مواعيدها لتسد الأفواه الجائعة، ويبدو أن أصفهاني قد لاحظ نظراتي المتسائلة عنها ففاجأني بالقول: إنها سيارات النصب والفساد الدولي. 

ليكمل: «هؤلاء أفاقون ونصابون ومنافقون ولصوص، تصورى ميزانية الصليب الأحمر التي من المفترض أن تقدم لأفغانستان وحدها تقدر بـ 75 مليون دولار، لا يقدمون لنا سوى ثمن الميزانية والباقي في جيوبهم، لديهم هنا أفخم المكاتب وفي أحسن الأماكن ورواتبهم تتراوح بين 20 و30 ألف دولار وأى سيارة خاصة يركبونها يقدر ثمنها بـ50 ألف دولار. وسوف أحكى موقفا ليبرهن لك بأنهم لصوص، المستشفيات التابعة للصليب الأحمر لا يقدمون فيها وجبة لحم للمرضي وعندما سئل "فردريك إستاتفور" المنسق العام للصليب الأحمر في أفغانستان عن سبب عدم تقديم وجبة اللحم للمرضي أجاب قائلا: الطعام الذي نقدمه يكفي المريض وهو مصدق عليه».

ثم إن كل الأفغان لا يأكلون اللحم ولا يعرفون رائحته، فلماذا نقدم لهم ما لا يعرفونه؟ هذا في حين أن هناك بعض اللجان مثل لجنة الدعوة الإسلامية تدير مشاريع تفوق ما يديره الصليب الأحمر وتكاد ميزانيتها لا تصل الى عشر ميزانية الصليب الأحمر تقدم وجبات ويتم توزيعها بطريقة منظمة ومرضية للغاية.

يبيعون الهواء

سادت حالة من الصمت في السيارة كنت أتأمل فيها بصمات الفقر التي لاحت على وجوه وملامح البشر.

باعة كثيرون يفترشون الهواء على الأرصفة في محاولة جادة لبيعه ..ماذا يبيعون؟ حقاً لا أعرف.

فاكهة جار عليها الزمن، وأنواع من الخضار العفن، وبعض من حلوى التوت، وأقمشة مهلهلة وأحذية مهترئة استعمال عاشر وعشرين.

شيء تحزن له القلوب

وسط كل هذا تجد عربات جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تدور بالميكروفونات تدعو الناس لإغلاق محالهم، والاتجاه إلى المساجد للحاق بصلاة الظهر أو العصر أو المغرب جماعة، وفي وقت الصلاة يدورون بسياراتهم مرة أخرى واذا ُضبط أحد وقد فتح محله ُيقبض عليه فورًا.

ولماذا يدورون بسياراتهم في نفس موعد الصلاة ليفتشوا وينقبوا عن الساهين عن صلاتهم؟ لماذا هم أنفسهم لا يؤدون الصلاة؟