تقرير: هند رأفت
«رُبَّ ضارة نافعة».. قول شائع ينطبق حرفياً على ما شهده مسجد الحسين -في العاصمة المصرية، القاهرة- ومحيطه، من أعمال تجديد شاملة، أعقبت اندلاع حريق بالقرب من ساحته في يناير الماضي، لتمتد يد التطوير بعدها إلى كل شبر بمسجد الإمام وساحته الخارجية.
مشاهد مهيبة وصور بديعة نقلتها وسائل الإعلام كافة، في أثناء مراسم افتتاح أعمال التطوير بالمسجد والمنطقة المحيطة، تُشعرك بجلالها حتى لو لم تكن في قلب الحدث، فذكريات سهرة واحدة بالحسين، وصلاة في مسجده، كفيلة ببث الروح في اللقطات الصماء، التي نقلت لنا أجواء التطوير، تلك التي تُمنِّي كل نفس بزيارة قريبة للحـسين ولكل آل البيت، الذين يحتفظون بمكانة خاصة واستثنائية لدى جموع المسلمين في العالم العربي.
ومن ساحة الحسين إلى «ربع السلحدار» تلك المنطقة العتيقة، التي تفوح منها رائحة الأصالة وعبق التاريخ، والمفضلة عند السائحين خاصة العرب، انطلقنا لنصول ونجول في حوانيتها وحواريها القديمة، لنرقب ونرصد ونتأمل ونتحدث وننقل مشاهد حية لما تتفنن فيه أيدي «المجاورين» -هكذا يلقبون- أصحاب المهن اليدوية التراثية القديمة، الذين يقطنون تلك المنطقة منذ زمن بعيد، فنالوا هذا اللقب نسبة إلى أنهم من مجاوري الحسين وآل البيت، الذين يقدرون ويقدسون قيمة تلك الهبة التي منحهم الله إياها.
منطقة ربع السلحدار
هنا بين أسطوات «ربع السلحدار» يحيا التراث معهم وبهم، لا يتركون فرصة للتعبير عن حبهم وانتمائهم لهذا المكان الذي أصبح جزءًا منهم وأصبحوا ضمن معالمه التاريخية التي لا تقتصر فقط على الحجر، لأن «مجاورين» الحسين أيضاً خلطة من تاريخ وتراث وامتداد لعصور قديمة لم يبق منها غيرهم.
منطقة ربع السلحدار
والمسألة لا تتضمن أي تهويل أو مبالغة، فزيارة واحدة لربع السلحدار ومحيطه تكشف عن سر غريب في هذه المنطقة التي بمجرد أن تطأ بقدميك أرضها تصبح جزءًا من آلة زمنية مستقرة في زمن بعيد لا تنشغل بما يقع خارجها.
شعور بالسعادة والطمأنينة التي يغذيها صوت الشيخ الجليل محمد صديق المنشاوي، الذي ينطلق عبر أثير إذاعة القرآن الكريم، ويتدفق إلى القلوب قبل الآذان، ليتداخل معه لبعض اللحظات صوت مذيع النشرة في القناة الأولى، التي لا تزال الاختيار الأول لمعظم «أسطوات» الربع الذين يفضلون مشاهدة التليفزيون عن الاستماع للراديو.
مزيج يتخلله أصوات الدق والحفر والنقش التي تختلف وفقاً لنوع وأدوات صاحب كل مهنة، هؤلاء الذين اعتادوا نوع جديد من الضوضاء الناعمة التي سرعان ما ينسجم معها المستمع دون ضجر أو ملل.
«أسطى بدرجة فنان» لقب يحمله معظم العمال الموجودين بالربع، من أصغرهم حتى الأكبر الذي يزيد عليهم بلقب «الأستاذ» و«الأسطى الكبير» الذي يُشرف عليهم ويقوم بتعليم المستجدين منهم أملاً في استمرار المهنة اليدوية وعدم اندثارها.

فن الشفتشي
ورش نحاس وفضة وأرابيسك وصناعة سجاد ومشغولات من الجلد الطبيعي ومعهم فن «الشفتشي» الذي ينتقي زبائنه.
فن الشفتشي
اخترت أن تكون البداية من «الشفتشي» صاحب الاسم الغريب والهوية التي يدافع عنها العمال تحت شعار «الشفتشي الأصلي»، حيث أكد بعضهم أن هناك من يحاول امتهان تلك المهنة، خارج الربع والحسين بأكمله، في مناطق سياحية.
«الشفتشي فن».. يقول هاني عيد -الأصغر سناً بين العمال الموجودين-، موضحاً أن هذا ما تعلمه على يد الأسطى الأستاذ، الذي أشار إليه في أثناء عمله مؤكداً أنه دائماً ما يقول لهم إن «الشفتشي» يبحث دائماً عن وريث.
فن الشفتشي
تفاصيل دقيقة وساعات طويلة من التركيز الشديد في حجرة صغيرة، تتوسطها مائدة عليها معظم أدوات الورشة، أمام صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود لـ حسن ياقوت، الأسطى الكبير، وحوله عدد من العاملين، وقد رحل معظمهم عن دنيانا، صورة تؤكد مبدأ وقاعدة سعى «ياقوت» لترسيخها في الموجودين بصفة مستمرة وهي: «كل جيل لازم يسلم اللي بعده».
هند رأفت وحسن ياقوت مع العمال
حسن ياقوت رفقة العمال
صورة للتاريخ في ورشة ياقوت لتشجيع الجيل الجديد على إتقان الشفتشيومن «الشفتشي» إلى «الأرابيسك»، القائم على الخيال والإبداع والقدرة على الدمج بين عصور قديمة، وقبل كل ذلك الصبر الذي يمكن اعتباره مفتاح مهنة النقش على الخشب التي لا تزال تحتفظ بمحبين وهواة يطلبونها خصيصاً داخل مصر وخارجها.
تحدث عنها أيمن أرابيسك، كما عرَّف نفسه، مشيراً إلى أنه الاسم المحبب إلى قلبه، قائلاً: «الأرابيسك ليس مجرد مهنة، ومن يتعامل معه من هذا المنطلق يفشل فيه، فهو فن من طراز خاص يختلف حتى عن غيره من الصناعات والحرف اليدوية».
وأشار إلى أن ورشة لتعليم الأرابيسك -أقامتها عائلته التي تتوارث المهنة- سرعان ما أغلقت أبوابها لعدم وجود إقبال عليها، وعلَّق على الأمر بنبرة حزينة قائلاً: «كنا نسعى للحفاظ عليه من الاندثار، ولكن الجيل الجديد لا يملك الصبر الذي يحتاجه فن مثل الأرابيسك».

وفي مكان أشبه بمتحف يقف بين مجموعة كبيرة من التحف الفنية التي تتلون بلون النحاس، «محسن العربي» صاحب ورشة النحاس الأقدم في الربع، الذي وصف كل قطعة نحاس سواء كانت نحاسية خالصة أو مُطعَّمة بالفضة" بالكنز" وهو الذي لا يكف عن العمل طوال فترة تواجده في الورشة.
نحاس معروض داخل الورشة
نحاس معروض داخل الورشة
النحاس المعروض في الورشة
وعلى أنغام موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، الذي لا يختفي صوته من الورشة أبداً حتى أصبح شريكاً في العمل -على حد وصف «العربي»- يستكمل الرجل مهامه التي تعتمد على الدقة والمهارة والذوق الرفيع ضماناً لجودة المنتجات.
صورة فوتوغرافية يضعها «العربي» في ورشة النحاس
«المصري يكسب في المنتجات الجلدية».. بهذه العبارة بدأ علاء محمد الذي نشأ وتربى في ربع السلحدار بين أسرة تهوى نقش منتجات الجلد الطبيعي بمزيج من الفرعوني والبدوي وقليل من النقوش الجديدة التي تُضفي بعض الحداثة على منتجاته لتلبية رغبات وأذواق كل زبائنه.
المنتجات الجلدية
ويرى أن تشجيع الصناعة المحلية هدف يجب أن يسعى إليه كل من يعمل في حرفة يدوية، مؤكداً أنه يستغل موهبته وفي الوقت نفسه يقدم الفن الذي يحب فيكون سبباً في رزقه.
علاء محمد - والمنتجات الجلدية
منتجات جلدية
وإلى الوريث الأخير عماد علاء، الذي علمَّه والده حب السجاد اليدوي، أقر بمصير المهنة التي يحبها بنبرة أصابها اليأس، مشيراً إلى أنه ينتمي لآخر جيل يعمل بهذه المهنة.
وتحدث عن ضرورة إنقاذها من الاندثار على عكس زمن والده الذي تمتع سجَّاده بإقبال الزبائن الراغبين في تشكيلة خاصة من السجاد اليدوي من صنع يد والده، ليُنهي حديثه مؤكداً أن تشكيل نقوش السجاد فن وإبداع لا يقدِّر قيمته الباحثون عن السجاد الجاهز المستورد.