حوار: صفاء عزب
في يوم زفاف ابنته، دعا الرئيس المصري محمد أنور السادات، الشيخ سيد النقشبندي لحضور الحفل مع كوكبة أخرى من نجوم الفن والموسيقى، حيث كانت تجمعهما علاقة معرفة قديمة كما كان السادات من عشاق صوت النقشبندي.
وتصادف وجود الملحن الموسيقار بليغ حمدي في ذلك الحفل، وعندما رآه السادات قال له: «يا بليغ أنا عاوز أسمع ألحانك بصوت النقشبندي»، فرد عليه بابتسامة، بينما صمت الشيخ النقشبندي واعتبر كل منهما الأمر مجرد مجاملة من الرئيس، ولم يأخذاه محمل الجد.
ولكنهما اكتشفا أن كلام الرئيس السادات بمثابة طلب ملَّح لتعاونهما معا وكانت النتيجة أن قدم النقشبندي أجمل إبداعاته الإنشادية بألحان بليغ حمدي، أصبحت علامة مميزة من علامات شهر رمضان الكريم ارتبطت بها آذان الناس عبر الإذاعة لسنوات طويلة، كما تحرص المحطات التليفزيونية المختلفة على تقديمها باعتبارها مواد محببة وقريبة من القلوب خاصة في الشهر الكريم.
ولم تكن قصة الرئيس السادات وبليغ حمدي مع النقشبندي هي الموقف الوحيد المثير في حياة المنشد الشهير، وإنما شهدت مسيرته الحياتية العديد من الأحداث الساخنة والمواقف الطريفة مع مشاهير الشخصيات، وهو ما كان محور هذا الحوار الخاص الذي أجراه موقع «سفن إي نيوز» مع سيد شحاتة، حفيد الشيخ النقشبندي من ابنته الكبرى.
الحفيد سيد النقشبندي مع صورة جده
ترجع أصول التعارف بينهما لزمن بعيد منذ كان السادات ضابطا، وشاءت الصدفة أن تجمع بينهما حيث كان جدي يذهب لإحياء ليالي مسجد سيدي الدكروري، وفي الليلة الختامية للاحتفال بمولده، كان السادات هناك واستمع لإنشاد جدي، وأبدى إعجابه بصوته، ثم تفرقا ولم يلتقيا. وبعد تولي السادات الرئاسة، كانت قد اتسعت شهرة النقشبندي.
وكان جاره في مدينة طنطا، الدكتور محمود جامع، طبيب الرئيس، ولما علم السادات بذلك، طلب من الدكتور جامع، اصطحاب الشيخ النقشبندي معه لرؤيته، فالتقى به في ميت أبو الكوم، مسقط رأس السادات، ثم تكررت اللقاءات بعد ذلك حيث كانت تأتي سيارة الرئاسة وتقف أمام بيت جدي لتنقله إليه، لتلاوة القرآن الكريم والإنشاد في جلسات خاصة زخرت بالروائع وصارت بينهما علاقة وطيدة لعشق السادات الشديد لصوته وابتهالاته.
السادات والنقشبندي
ذهب جدي بعدها والتقى وزير الإعلام آنذاك، الدكتور عبد القادر حاتم، ثم تقابل مع الفنان بليغ حمدي، بصحبة المؤلف عبد الفتاح مصطفى، وبدأت رحلة التعاون التي أثمرت عن 15 لحنا رائعا لأجمل ابتهالات الشيخ النقشبندي، أشهرها «مولاي إني ببابك» و«أقول أمتي».
لا لم يكن لديه أي تحفظ على التعامل مع الموسيقار بليغ حمدي نفسه ولكنه كان قلقا من طبيعة ألحانه وارتباطها مع أذهان الناس بموسيقى أغنيات أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وخلافه ما أثار تخوفه على حالة الخشوع التي يتطلبها الإنشاد الديني من موسيقى بليغ!.
النقشبندي في الاستوديو أثناء التسجيل
ولكن المثير في الأمر أن هذه التجربة كانت بداية مسيرة نجاح ممتدة وحافلة بالأعمال الشهيرة التي تعاون فيها جدي مع الموسيقار بليغ حمدي.
وكان هناك مشروع فني مشترك بين جدي الشيخ النقشبندي، وأم كلثوم، ولكن القدر لم يمهلهما، حيث توفيت أولا، ثم توفي جدي بعدها بعام.
أم كلثوم في منزل النقشبندي
لا.. لم تكن أول مرة ينشد فيها جدي على نغمات موسيقية، فقد كانت له تجارب سابقة مع ملحنين كبار أمثال سيد مكاوي ومحمد الموجي وحلمي أمين وأحمد صدقي ومحمود الشريف، وقدم معهم أعمالا كثيرة ناجحة، ارتبطت بفترة دخوله الإذاعة المصرية التي مثلت له مرحلة جديدة من الإنشاد الديني الموسيقي.
كما قدم تترات بعض المسلسلات الدينية ومنها تتر مسلسل «سلمان الفارسي».
نعم.. هذا صحيح. لقد كانت تجربته مع السيدة سميحة أيوب مميزة وهي عبارة عن برنامج إذاعي قصير في حلقات حيث كانت تلقي الشعر بينما ينشد جدي بصوته على نغمات موسيقية ولكن للأسف الشديد لم أسمع إلا حلقة واحدة من هذا البرنامج وليس لدينا أية معلومات عن بقية الحلقات.
أما بالنسبة للأعمال الفنية الأخرى فقد شارك الشيخ النقشبندي في بطولة فيلم يجسد قصة حياة أحد المنشدين وكان اسمه «الطريق الطويل» من إخراج مصطفى البدري.
للأسف الشديد، توفي مخرجه قبيل الانتهاء من الفيلم ومن ثم لم تتح له فرصة العرض على الشاشة، كما أننا لا نملك نسخة من المادة التي تم تصويرها ولا نعرف كيف نحصل عليها علما بأنها صورت في ستوديو مصر.
طبعا محاولاتنا مستمرة بالتواصل مع أحفاد معارف الشيخ النقشبندي، وهذا الأمر ليس باليسير إطلاقا، وقد أكرمنا الله تعالى بالحصول على تسجيلات لحفلات جدي من السيد محمد سليم المراد، نجل الشيخ محمد علي المراد، مفتي حماة، وأحد كبار العلماء في سوريا، الذي كان صديقا للشيخ النقشبندي.
وكثير من أعمال جدي المفقودة عثرنا عليها بالصدفة وبالرغم مما وصلنا إليه، فإنه وبلا مبالغة مازال هناك 90% من تراث جدي مفقودا، وعلى سبيل المثال هناك ما يزيد على 300 ابتهال سجلها بالإذاعة المصرية، ولكن لا يذاع منها إلا عدد محدود بينما لا زال مصير باقي الأعمال مجهولا.
وهناك أيضا 30 حلقة رمضانية في تليفزيون الأردن، لم نصل إليها حتى الآن، ومثلهم في تليفزيون الخرطوم، كما يوجد 30 إبتهالا بالصوت والصورة في تليفزيون أبو ظبي سجلها الشيخ النقشبندي عام ١٩٧٥، وقد دون في مفكرته اليومية بعض الكلمات عن هذه التسجيلات بخط يده.
وأنتهز هذا الفرصة من خلال موقعكم الإعلامي، لمناشدة تليفزيون أبوظبي لمساعدتنا كأسرة الشيخ النقشبندي، في الحصول على نسخ من هذه االتسجيلات النادرة، كما نناشد كل من لديه أي تراث لجدي ألا يحبسه حباً وإكراما له.
موهبة الصوت الجميل متأصلة في عائلة النقشبندي من الجذور، ويمكن أن ننشد معا في جلسات خاصة وليس بشكل احترافي، ولكن كان لجدي شقيق اسمه الشيخ إبراهيم النقشبندي، يتمتع بصوت رائع، وكان يرافقه في حفلاته ويمكن ملاحظة صوته في خلفية بعض التسجيلات.
أما بالنسبة للأحفاد فكان صوت أخي أحمد رحمة الله عليه، أكثرنا قربا لصوت جدي النقشبندي فقد تربى في كنفه منذ الصغر، وحفظ بين يديه أشهر التواشيح مثل «أشرق الكون» والمدائح النبوية العطرة بالطريقة النقشبندية، وقادته موهبته السير على نهجه، لكن القدر لم يمهله، وللأسف الشديد لا يوجد لدينا حاليا من يؤدي الأداء النقشبندي السليم بعد وفاته.
اشتهر بيت الشيخ النقشبندي بالكرم مع الجميع قريبا كان أم غريبا، وخصوصا في شهر رمضان الكريم، وكان أغلب أهل جدي يسكنون بالقرب منه في ميدان السيد البدوي بطنطا، ويجتمعون معه على المائدة الرمضانية في منزله العامر، والجميع في حالة أنس بمصاحبته وبعد تأدية الصلوات كان الشيخ يجلس بمكان يسمى المندرة لبدء مجلس مدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كان يأتي لحضوره القاصي والداني من محبي الشيخ من كل مكان في جلسات نورانية بحضور أولاده، ومنهم خالي إبراهيم سيد النقشبندي خليفة جدي في الكرم ووريثه في كثير من صفاته الطيبة والذي أرسل له التحية من خلالكم حيث يعيش بدولة الإمارات العربية.
كان للشيخ النقشبندي أصدقاء كثيرون من المشاهير منهم زملاء مهنته مثل الشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ محمود علي البنا والشيخ كامل البهتيمي والشيخ محمود الحصري.
النقشبندي منشدا
وطبعا كان أصدقاؤه من مشاهير السياسة الرئيس محمد أنور السادات والوزير وجيه أباظة والبرلماني الدكتور إبراهيم عوارة، ومن أهل الأدب والشعر الكاتب محمد علي ماهر والشاعر محمد السيد ندا والشاعر الكبير عبد الفتاح مصطفى.
لقد ولد جدي عام 1920 ومات عام 1976 أي أنه عاش نحو 56 عاما حقق خلالها شهرة واسعة بأعماله الخالدة، وقد استشعر بقرب رحيله في آخر يومين من حياته رغم أنه لم يكن مريضا ولم يشك من شيء، وكان سيناريو رحيله من أغرب المواقف.
وصية النقشبندي بخط يده وبجوارها صفحة من يومياته الخاصة بزيارته لأبوظبي
لا زالت الأسرة تذكر تفاصيل تلك الليلة السابقة لوفاته وما حدث فيها من مفارقات غريبة.
لقد كان الشيخ النقشبندي على موعد للسفر للقاهرة لأداء صلاة الجمعة بمسجد التليفزيون المصري، في اليوم التالي، وبات ليلتها في بيت أخته وزوجها بالقاهرة وفاجأهما بطلب غريب عبارة عن ورقة وقلم وأخذ يسجل ويكتب بخط يده على الورقة كلمات بشكل سريع، ثم طواها بإحكام وأعطاها لزوج أخته، وأوصى ألا تفتح إلا بعد وفاته ثم ذهب للمسجد وأدى صلاة الجمعة وعاد للبيت.
ولم تمر سوى سويعات قليلة حتى فاجأه ألم في صدره، انتقل على إثره للمستشفى ليتوفى بين يدي الدكتور محمود جامع، وهو يفحصه.
وعندما فتحنا تلك الورقة المطوية اكتشفنا أنه كتب فيها وصيته لأسرته وأهل بيته.
طبعا ولا زالت وصيته المكتوبة بخط يده موجودة.
لقد أوصى بأن يدفن مع والدته بالقاهرة مهما كانت الظروف، وألا يقام له مأتم، كما أوصى أولاده الكبار برعاية زوجته وأطفاله الصغار منها ومنحها حقوقها كاملة.
الحمد لله.. لقد كرَّمه الرئيس أنور السادات، ومنحه وسام الدولة من الدرجة الأولى عام 1979.
كما حصل على وسام الجمهورية من الدرجة الأولى من الرئيس حسني مبارك عام 1989، بمناسبة الاحتفال بليلة القدر.
ولا زال جدي ينعم بمحبة الناس وعشقهم لصوته وابتهالاته رغم مرور هذه السنوات على رحيله وهو أكبر تكريم للشيخ النقشبندي.
وكل ما تتمناه الأسرة حاليا وتسعى لتحقيقه هو النجاح في تجميع كل تراثه حتى نتمكن من الحفاظ عليه للأجيال القادمة.