مثل قطعة دومينو، تُستبدل فيها النقاطُ السوداء الصماء ببقاع خضراء وزرقاء، وقفت جمهورية توجو على مائدة غرب وسط أفريقيا؛ تضع قدمين في المحيط، وترفع رأسا في السماء الاستوائية، بتلك البقعة التي عرفت الاستقلال عن الاستعمار قبل أكثر من 6 عقود.

شعار الاحتفال بالعيد الثاني والستين لاستقلال توجو
إنها قطعة دومينو تنهض وسط قطع أخرى متراصة ومتلاصقة، رسمت خرائطها التواريخ السياسية، لكنها لم تكن لتفصلها الجغرافيا.
يكفي أنني حين تحركت من غرفتي في الفندق، إلى قاعة المطعم، جاءتني على هاتفي المحمول رسالةٌ من شركة الاتصالات الدولية، تقول: "أهلا بكم في غانا!".
رسالة عجيبة، فأنا لم أغادر الفندق حتى أغادر العاصمة، لكن العجب زال ونحن في الطريق مع مضيّفي، حيث أشار بيده إلى الأراضي الغانية على مرمى البصر!
خريطة توجو
بقلم وعدسة: أشرف أبو اليزيد
من السماء، حين اقتربت الطائرة من الهبوط في مطار الدولي بالعاصمة لومي، كان المشهد أشبه بغلالة شافة من الدانتيل، بدت ندف السحب وردات بيضاء تطرزها حتى تكاد تخفي ما تحتها، خليج بنين، بوابة المنطقة المائية للمحيط الأطلسي، سنحلق بموازاته، ونرى المياه التي تجري من تحتنا، والأنهار، والغابات التي تتكثف، والمساحات الخضراء التي تتوالد، والمراكب التي تتوزع وجوه الماء.
من هذه السماء ليست هناك حدود ولا خرائط، ولا تستطيع الجزم أين تضع الخط الفاصل مع بنين في اليمين، وغانا في اليسار، وبوركينا فاسو في الشمال. أما حين تمشي على دروبها كثيفة الشجر فستدرك أيضا هذا التنوع لموزاييك البشر الذين تلتقيهم، سواء أبناء البلد، أو هؤلاء الذين جاءوا من أراضي جيرانه للعمل أو السياحة.
كنتُ في لومي بين عدة برامج موازية؛ الندوة التي دعيت إليها، ونظمها اتحاد الكتاب التوجوليين، والجولة التي أعد بها نفسي لاستعيد روح الاستكشاف، واللقاءات التي أعدها حجر أساس للتعرف على أية بقعة جديدة.
ويهمني في هذا الشأن في السطور التالية، أن انشغل بالاستكشاف، وأن أصغي لما ستقوله لي الأماكن. وأن أنقل لكم حديثها، لعلنا نحتفظ بتلك الرحلة فنستعيد تفاصيلها، التي داعبت الحواس جميعا.
ما بين القرنين الخامس عشر، والتاسع عشر الميلاديين، كانت هبات الرياح تأتي بتيارات أوربية للسيطرة، بدأت بالبرتغاليين؛ فالمنطقة الساحلية أضحت مركزًا رئيسيًا لتجارة الرقيق، مما أكسب توجو والمنطقة المحيطة بها اسم "ساحل العبيد"، وهو ما دعا الألمان (1884) للمطالبة بالمحمية الساحلية لأنفسهم، ولتمتد المحمية في الداخل الإفريقي شمالا حتى تتكون مستعمرة توجولاند الألمانية في عام 1905، التي مدت سكة حديدية وأنشأت ميناء لومي وأقامت بنى تحتية أخرى.
ثم تأتي الحرب العالمية الأولى، فتغزو بريطانيا وفرنسا توجولاند، ولتتولى بريطانيا العظمى بعدها (1922) تفويضا من عصبة الأمم لحكم توجو (الجزء الغربي للبريطانيين، والجزء الشرقي للفرنسيين).
وبعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت هذه الولايات أقاليم تابعة للأمم المتحدة، وصوت سكان توجولاند البريطانية للانضمام إلى جولد كوست كجزء من دولة غانا المستقلة الجديدة عام 1957.
ثم أصبحت توجولاند الفرنسية جمهورية توجو عام 1960، وقد نص دستورها، المعتمد في عام 1961، على تأسيس الجمعية الوطنية لتوجو واعتبارها الهيئة التشريعية العليا.
وفي العام نفسه، قام سيلفانوس أوليمبيو، أول رئيس للجمهورية، بحل أحزاب المعارضة واعتقال قادتها، لكنه اغتيل في انقلاب عام 1963، وسلم الجيش السلطة إلى حكومة مؤقتة بقيادة نيكولاس جرونتسكي، الذي أزاحه القائد العسكري جناسينجبي إياديما عام 1967، ويتولى الرئاسة ويدخل نظام الحزب الواحد عام 1969.
وبقي إياديما في السلطة 38 عامًا، وعند وفاته عام 2005، نصّب الجيش نجله فوري جناسينجبي رئيساً للبلاد. وقد أعيد انتخاب جناسينجبي الابن مرتين أخريين.
ها نحن في العيد الثاني والستين لذكرى الاستقلال، تأتيني دعوة برعاية الرئيس فوري جناسينجبي، لحضور الدورة الخامسة من المهرجان الوطني للرقصات التقليدية. أعود في المساء إلى المكان الذي زرته صباحا، والتقطت فيه صورة سيدة تبيع شرائح ثمار البابايا، أمام النصب التذكارية للاستقلال، بمواجهة مسرح قصر البرلمان القديم، الذي سيتم بناء مبنى جديد عوضا عنه.
النصب التذكاري لاستقلال توجو
سيدة تبيع العاديات في السوق الكبيرة
سيدة تبيع شرائح ثمار البابايا، أمام النصب التذكارية للاستقلال
قبل أن نصعد معًا إل خشبة المسرح، يجب أن أنقل لكم صورة التعدد العرقي واللغوي، المتراكم حد الدهشة، فسكان توجو البالغ عددهم 7.89 مليون نسمة (حسب تقديرات 2018) يضمون حوالي 21 مجموعة عرقية، وأكبر مجموعتين في تلك العرقيات هما تيم في الوسط (بافيلو، سوكودي، سوتوبوا)، ويمثلون حوالي 22٪ من السكان؛ وهي عرقية تعيش بأعداد كبيرة أيضًا في غانا وبنين (ألم تكن يوما أرضا واحدة)؟! وتربط هؤلاء علاقات كثيرة مع ثلثي سكان البلاد لأنهم يعيشون في قلب توجو.
وغالبا ما يمارسون جميع المهن ففيهم المزارعون ومصلحو الميكانيكا حتى رجال الأعمال، تليها مجموعة الإيوي في الجنوب (نحو 21٪ من سكان توجو)، ورغم أن الفرنسية هي اللغة الرسمية للبلاد، ستتنوع أيضا لغات المجموعات العرقية في المنطقة الساحلية، ولا سيما لغة الإيوي ولغة العموم (أو مينا) (اللغتان الأفريقيتان الرئيسيتان في الجنوب)، وهي لغة القسم الأكبر من موظفي الخدمة المدنية والمهنيين والتجار، ويرجع ذلك جزئيًا إلى الإدارات الاستعمارية السابقة التي قدمت المزيد من تطوير البنية التحتية في الجنوب.
يستخدم معظم سكان الجنوب هاتين اللغتين المرتبطتين ارتباطًا وثيقًا، واللتين يتم التحدث بهما في القطاعات التجارية في جميع أنحاء توجو.
عدا هاتين المجموعتين، توجد مجموعات أقل مثل أبناء قبيلة القباية الذين هاجروا تقليديًا إلى الجنوب من منطقتهم الأصلية في منطقة كارا بحثا عن العمل.
كانت وسائلهم التاريخية للتقدم الاجتماعي من خلال الجيش وقوات إنفاذ القانون، ولا يزالون يسيطرون على هذه الخدمات.
وختاما، تشمل المجموعات الأخرى الأكبوسو في الهضبة الوسطى، وشعب آنا المرتبط باليوروبا، ويعيشون في وسط البلاد، وكونكومباس في المنطقة العليا من باسار، ولامبا في منطقة كاندي، والهوسا، وتامبرما، ولوسو وأواتشي.
وللهنود كذلك وجود في توجو، كما يشكل المستوطنون الأفارقة البيض المنحدرين من المستعمرين الفرنسيين والألمان الأصليين أقل من 1٪ من إجمالي السكان إلى جانب وجود مجتمع لبناني الصغير في توجو.
نسبة 99٪ المتبقية من السكان الأصليين: ينحدر معظم الأشخاص في هذه الفئة من واحدة من سبع وثلاثين قبيلة مختلفة. والمغتربون في توجو يتوزعون بين المهاجرين والسكان من أصول أمريكية وبلجيكية، وبرازيلي، وكاميرونية، وفرنسية وألمانية وغانية وإيطالية، وبولندية، ونيجيري، مع هؤلاء المنحدرين من أمريكا الشمالية.
لكن، ما سر هذه المقدمة الطويلة قبل الحديث عن عروض راقصة؟
حقيقة الأمر، أن الدورة الخامسة للاحتفال بالمهرجان الوطني للرقصات التقليدية والتي أقيمت مساء الثلاثاء (26 أبريل) في مركز لومي للمؤتمرات بمناسبة الاحتفال بعيد استقلال الجمهورية التوجولية الثاني والستين جاءت تحت شعار : صمود التقاليد في مواجهة تحديات المجتمعات الحديثة.
لوحات للأداء الفني الحركي والموسيقي في الدورة الخامسة من المهرجان الوطني للرقصات التقليدية
فالمنظمون؛ وزارة الثقافة والسياحة بالتعاون مع مجلس المهرجان، أرادوا أن يكون ذلك الحدث الثقافي الفلكلوري، والمشكّل من ١٢ فرقة، ممثلا لهذا التنوع الفريد في النسيج التوجولي البشري، عاكسا تلك الجذور، ومعبرا من خلال عروض هذه الفرق المتميزة عن مدى الثراء الثقافي للبلاد .
بعد الكلمات الافتتاحية للدكتور كوزي جبينو لامادوكو وزير الثقافة والسياحة، الذي أعرب عن سعادته بإعادة اكتشاف ثروة البلاد على المستوى الثقافي، كما أشاد برئيس الدولة على سياسته في تحقيق الانتعاش الثقافي من أجل تعزيز قيم الحفاظ على الهوية والمواطنة في البلاد، شاكرا الشركاء الذين ساهموا في إنجاح هذه الأمسية وبشكل خاص الرعاة، كما تحدث باسم الفائزين السيد بونافنتورا كاركا عن سعادة وامتنان رواد المهرجان على الفرصة الكبيرة التي اتيحت لهم للاحتفال بعيد الاستقلال في جو تغمره الفعاليات الثقافية والانشطة الفلكلورية.
لقاء مع وزير الثقافة والسياحة في توجو د. كوزي جبينو لامادوكو وحديث عن تنمية المنطقة التاريخية
بدأ العرض بأداء فردي لمطرب خلع عباءته، ملقيا بها على أرض المسرح، في غناء حماسي أقرب للراب، قبل أن تتوالى الرقصات الجماعية في الظهور، تؤديها الفرق الإثنتا عشرة التي تم اختيارها عبر تصفيات على المستوى الإقليمي؛ بمعدل فرقتين لكل منطقة من مناطق أو محافظات توجو الخمس، بالاضافة إلى فرقتين من العاصمة لومي، لتستعرض جميعها مدى براعتها في إتقان الرقص التقليدي الفلكلوري .
دائما ما تمهد لصعود الفرق المشاركة تقديمات ذكية لمذيعة ومذيع العرض، تبقي الحضور في حالة من الترقب، لتصفق الجماهير الحاضرة وتهتف بشغف حقيقي، تحيي العروض التي حملت في طياتها رسائل لنشر السلام والتعايش المشترك.
ستتعرف من خلال الرقصات على ألوان العلم التوجولي، في الأزياء والإكسسوارات، وتنتقل إلى مرايا الحياة بين أساطير أهل البحر، واعتقادات أهل البر، التي تمثل طيفا يعبر بالوثنية والمسيحية والإسلام.
أعلام، وأوشحة، أغطية رأس، وأخرى للساقين، دروع وحراب، ريش على الرأس، وفرو على الصدر، نساء راقصات، ورجال يتقافزون، وأجساد تتحرك بكل ما فيها، طبول تدق، ونار تشتعل. وموسيقى لا تهدأ وأصوات لا تخفت.
كل مجموعة تنافس ذاتها، ومنها من تنكر في هيئة حيوانات أو كائنات أسطورية. وظهرت المؤديات المسلمات بغطاء الرأس الأبيض. والحركات المحتشمة، والغناء النسوي.
إلى بيت العبيد
لكن اكتشاف الجذور وحماية الموروث الذي خلفه الأسلاف لن يقف عند الرقص والطقوس، وإنما سيفتش في الماضي، وسيتوقف في "بيت العبيد" عند أكثر الصور إظلاما في تاريخ توجو، ليُخرج منها النور، كما تخرج الحياة من الموت.
في الحافلة باتجاه بيت العبيد
كنا قد ارتدينا قمصان الندوة البيضاء، بشعاراتها ورموز الجمهورية واتحاد الكتاب التوجوليين بصحبة رئيستها الوزيرة السابقة للإعلام د. آناتي ورابطة كتاب أفريقيا وأمينها العام د. أوكيديران، بدونا في الحافلة كفريق من الأطباء الذاهبين لفحص جماعي (كونصلتو) لمريض ما، ولم يكن ذلك المريض سوى تلك الحقبة التاريخية المؤلمة، التي أنسانا رؤيتها الضحكات التي انطلقت في الطريق، وبدوْنا، لدى الوصول، ساهمين، صامتين، وتركنا آذاننا وأرواحنا تصغي إلى ذلك المبنى العتيق:
"أرى التعب على وجوهكم، بفعل الشمس الحارقة، لكن التعب لم ينل من ملامحي وحسب، بل أصبح يسكنني، فكل حجر في بنياني تتردد عليه - كل ليلة - أنات الآلاف الذين تمت سلسلتهم هنا، فحُبسوا تحت قاع أرضيتي، حتى نقتلهم المراكب إلى سفن الشحن، كبضاعة بشرية، وبما أن غرب القارة قد ذهب بعبيد أفريقيا إلى الشمال الأوربي، وإلى أمريكا الشمالية، فإن عبيد الساحل الجنوبي الغربي هنا وعلى مرمى حجر، سيبدأون رحلتهم الأخيرة إلى البرازيل وجزر الكاريبي".
من اللوحات المرسومة لأسرى توجوليين تعرض داخل بيت العبيد
لوحة تاريخ البيت
تركتُ المجموعة تصغي للدليل وهو يشرح لهم يوميات العبيد في رحلة الموت، لأتجول وحدي في المبنى الخالي إلا من أصوات الماضي وأنينه.
انتبهت إلى قدمي وهي تعبر الشرفة التي نزع الزمن أرضيتها، فظهرت عروق الخشب التي مثلت سقفا للمربوطين بالسلاسل تحتها.
كم مرة تألم القلب وهو يرى أفلاما عن استعباد هؤلاء، لكن الألم أشد وأنا أخطو فوق القبو الذين سجنوا تحته، ولم يخرجوا منه إلا بالسلاسل إلى عرض البحر، في رحلة اللا عودة.
جلست لألتقط صورة، قال لي صديق: تبدو كأنك تاجر عبيد، بتلك القُبّعة، أجبته: "واليوم سأمنحكم جميعا حريتكم!".
دخل دليلنا إلى قاعة البيت، ثم مد يده ليرفع جزءًا من الأرضية الخشبية، بدا كغطاء صندوق بحجم مربع، ليظهر فراغ كاف ليُدخل شخصا.
هنا كان يؤتى بالعبيد ويلقى بهم، ارتفاع القبو يماثل ارتفاع قاع المركب التي ستحملهم لاحقا في رحلة الأطلنطي المخيفة.
لن يخرجوا منها إلا أحياء على الشاطيء أو موتى في قاع المحيط.
في القاعة أرى بضع لوحات تحكي سيرة بائسة مسندة على أريكة خشبية، بالمقابل كرسيان سقط مسنداهما الخشبيان مع التاريخ، وعلى مقربة من المبنى سوق لبعض الحرف التقليدية، زرتها واحتفظت منها بأكثر من تذكار، وعلى بعد عدة مبان قاعة فسيحة أمام بيت تاجر العبيد، جلس فيها سياح ومقيمون يستمعون لمحاضرة تاريخية. وسجلت كلمات في دليل البيت، الشاهد التاريخي القائم للألم المقيم.
قال لنا مرشدنا في الجولة إن وزير الثقافة والسياحة زار البيت قبلنا بأيام، ضمن جولة للمنطقة البحرية تمهيدا للمهمة الفنية التي ستسافر عبر المنطقة في يوهونو بمحافظة فو وإلى أغبودرافو في البحيرات برفقة وفد من دائرته.
في المساء نفسه التقيت بالوزير، وسألته عما تم، فقال لي إن تلك الزيارة كانت تهدف إلى إرساء الأسس الضرورية لتأمين المواقع التاريخية التي تعتبر تراثًا ثقافيًا، "هذه مسألة مهمة للغاية يجب مراعاتها لتطوير عرض سياحي عالي الجودة كما هو متوقع في خارطة الطريق الحكومية لعام 2025، ولا سيما في المشروعات التي تستهدفها وزارة الثقافة والسياحة حتى يتمكن السكان المحليون من الاستفادة من الفوائد الاقتصادية المحتملة للتنمية".
بنى "بيت العبيد"، الذي يعرف أيضا باسم بيت وود، تاجر الرقيق الاسكتلندي جون هنري وود، في حي لاكومي بمدينة أغبودرافو، بعد عام 1835، بعد تنصيب الملك أسياكولي في أغبودرافور.
جالسا على دَرَج البيت الذي بناه تاجر الرقيق الاسكتلندي جون هنري وود، في حي لاكومي بمدينة أغبودرافو في القرن التاسع عشر
كان الغرض من المنزل هو تشغيل تجارة الرقيق غير المشروعة، على الرغم من إلغاء إنجلترا لتجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي في عام 1807.
دليلنا يشرح تاريخ المنزل وحقبة تجارة الرقيق على ساحل الأطلسي الغربي
كافح أسياكولي للحفاظ على التجارة المربحة على الرغم من الأوامر الصادرة من القوى الغربية ومراقبة الرحلات البحرية المناهضة للعبودية في خليج بنين.
تم استخدام هذا المنزل للاتجار غير المشروع حتى عام 1852.
ويقع المبنى المصمم على الطراز الأفرو برازيلي على بعد ثلاثة كيلومترات قبالة ساحل المحيط الأطلسي، ويبلغ طوله 21.60 مترًا وعرضه 9.95 مترًا.
ويتكون من 6 غرف نوم وغرفة معيشة وممرات بعرض 1.5 متر وقبو صغير بارتفاع 1.50 متر تحت الأرض حيث كان على الأفارقة المأسورين البقاء قبل مغادرة إفريقيا.
قد يقضي الأسرى في هذا القبو الضيق والمظلم لأسابيع وأحيانًا شهور. كانت الغرف العلوية بمثابة أماكن إقامة لتجار الرقيق، بينما كانت الأقبية ثكنات للعبيد.
هنا كان يدخل الأسرى قبل أن يؤخذوا لسفن الرقيق
وحسب اليونسكو يعد هذا المنزل نصبا تذكاريا للعبودية وشاهدا على هذه المأساة الإنسانية التي حدثت على ساحل توجو بين الربع الأخير من القرن السابع عشر ونهاية القرن التاسع عشر"، أما اليوم، فهو منزل لعائلة منحدرة من أسياكولي.
وقد تم تسجيل الموقع منذ 8 يناير 2002، على قائمة التراث العالمي لليونسكو، وتم ترميمه في عام 2006.
عمارة البيت بصدد الترميم، تظهر الأقبية، وكوة نافذتها الأرضية، وبابها، وإحدى نوافذها العلوية
هنا في أجبودرافو، جذب منزل العبيد والبئر المربوطة بالسلاسل (Gatovoudo) انتباه الوزير والوفد المرافق في نقاشاته مع السلطات المحلية، من المحافظ إلى رئيس بلدية البحيرة ونواب من المنطقة والزعماء التقليديين والعائلات حول المواقع المذكورة.
كان عليه أن يجعل جميع أصحاب المصلحة يفهمون التزام الدولة ببذل كل ما في وسعها لاستعادة التاريخ المرتبط بتجارة الرقيق في توجو وإعادة تكوين ذلك الجزء التاريخي للبلد في سلسلة العبودية على ساحل غرب إفريقيا.
رحبت السلطات المحلية والسكان المحليون برؤية الحكومة هذه، ووافقت بالتالي على موعد نهائي مدته شهر واحد لتحديد وضع هذا التراث الذي تسببت النزاعات على الأراضي في إبطاء تقييمه لفترة طويلة.
وبعد هذه الجلسة، استطاع الوزير أن يراقب حالة الترميم المتقدمة للمباني، وجدد التزام الحكومة بترميم آثار حقبة الماضي الاستعماري لتوجو.
وكأن التعامل مع الماضي، وكيفية تناول إرث الأسلاف، هو السر دومًا، في معالجة الحاضر والاستعداد للمستقبل.
الأسلاف حاضرون بعاداتهم وكقوسهم على مسرح الاحتفال بعيد الاستقلال، مثلما هم مستحضرون في توثيق التاريخ، فلم يعد ذلك التاريخ رمزا للذل، وإنما أصبح عنوانا للانعتاق.
هذا نوع من التحرر، جدير بالدراسة والتأمل، كي تعبره الحواس.
تأملت تلقي الجميع للموسيقى حين تنبعث، سواء على شاطيء مارسيلو أو عند بحيرة توجو، وعرفت أن هذه الايقاعات الأفريقية حين بللها محيط شاسع عبرته قبل مئات السنين، هي التي منحت الكاريبي وشاطئ البرازيل هويته الراقصة، فوجدت الضربات على الطبول الأفريقية صداها في أمريكا الجنوبية.
كنا نريد أن نرتاح قليلا، وأن نريح أنفاسنا اللاهثة حتى تهدأ بعد رحلة "منزل العبيد" بذكرياتها المؤلمة، فأخذتنا الحافلة إلى شاطئ بحيرة توجو، حيث بدا لنا من بعيد مركب تتنزه فيه سائحة أوربية، تستعيد – ربما – جزءا من تاريخ بلادها على الأراضي الأفريقية المستعمرة، مثلما يحاول التوجوليون اليوم استعادة مسارات حيواتهم التاريخية والجغرافية، لتواسي أسلافها المنسيين، وليصل صوت هؤلاء الأسلاف إلى الأحفاد، بحكمة الماضي، وجهد الحاضر، مُعلّمًا وهاديا للمستقبل.
مركب تتنزه فيه سائحة أوربية ببحيرة توجو