خاص بعد فوز ماكرون وتجاهل أردوغان.. الجفاء يزيد الهوة بين تركيا وفرنسا

أردوغان هنأ ماكرون في ولايته الأولى إلا أن الرئيس الفرنسي لم يردها لنظيره التركي

5 أيام مرت على إعلان فوز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وأنقرة الرسمية صامتة صمت الدهر لا تعليق ولا تهنئة.

وكيف لها أن تفعل ذلك: فهل بادر ماكرون بتقديم الأخيرة عندما فاز رئيسها رجب طيب أردوغان، في الانتخابات التي جرت العام 2018، على أية حال ليس هذا سوى جانب من جوانب عديدة أصلت لجفاء متواصل بين البلدين.

فرغم مرور عقود طويلة عليها، إلا أن مقولة الراحل شارل ديجول: «ما لنا وتركيا التي تنتمي للشرق المعقد»، التي أدلي بها مطلع ستينات القرن الماضي، لا زالت متجذرة في العقل الجمعي الفرنسي، وكل من اعتلي سدة السلطة بقصر الإليزيه اتخذها نبراسا ونهجا يحتذيه في سياسته المتنمرة دوما مع «هذا البلد الأسيوي».

ومع صعوده الأول العام 2017، اعتقد دبلوماسيون ومقربون من صانع القرار هنا في عموم الأناضول، أن تهنئة أردوغان لنظيره ماكرون لتبوءه منصب الرئاسة عبر اتصال هاتفي، من شأنها أن تشكل انفراجة في الأجواء المأزومة بين أنقرة وباريس، خاصة مع عبارات الود التي أدلى بها أردوغان آنذاك في أثناء المحادثة، وفيها ذهب بالقول: «إن نتائج الانتخابات الفرنسية عززت الآمال في مستقبل الاتحاد الأوروبي»، وهو أمر لا شك ستكون له أثاره الإيجابية على بلاده الطامحة لاقتناص عضويتها التي طال انتظارها بهذا المحفل الاقتصادي الكبير والأعظم بالقارة العجوز، وبالتالي التغلب على السلبيات التي جمدت بطاقة ترشحها بالدفع بها للأمام.

سرعان ما تبددت الظنون

لكن هيهات فسرعان ما تبددت الظنون، بيد أن الأمور عادت لسابق عهدها، ليصبح التباعد في علاقاتيهما هو العنوان الأبرز، ولم يكن في الأمر أدني مصادفة بأن تكون فرنسا وعلي مدار حكوماتها المتعاقبة سواء اليمينية أوالاشتراكية من أشد المعارضين لانضمام أنقرة للاتحاد الأوروبي، بل حملت على عاتقها لواء الرفض المطلق لقبولها في بروكسل، وها هو ماكرون سائر على الدرب نفسه وبإصرار، وفي فترته الثانية لن يحيد عن ما تعهد به خلال حملته الانتخابية «لا مكان لوريثة الامبراطورية العثمانية في أوروبا».

وفي السنوات الأخيرة، وتحديدا طوال الفترة الأولي لرئيس حزب الجمهورية إلى الأمام اتسعت الفجوة بعد أن أظهرت فرنسا على المستويات كافة،  دعما صريحا للكرد إجمالا، وكذا المنفيين الهاربين من تسلط العدالة والتنمية الحاكم، الذي يقوده أردوغان بمنصاتهم الإعلامية ومنابرهم السياسية، وهو ما آثار ولا زال حفيظة بل وامتعاض تركيا، وقيل إنها أرسلت عناصرها الاستخباراتية لملاحقاتهم ضربا وقنصا، في إشارة لاغتيال 3 ناشطات كرديات قبل 8 أعوام حيث يقمن بالقرب من الإليزيه الذي أعلن رئيسه -حينذاك- فرانسو أولاند، أنه لن يكف لاحقا عن الاجتماع بقادة أكراد.

ومن المفارقات أن قيام إيمانويل ماكرون بتوجيه انتقاداته اللاذعة للولايات المتحدة لمواقفها المضطربة والفوضى التي أحدثها قرارها، سحب قواتها المفاجئ من أفغانستان العام الماضي، دون التنسيق مع الحلفاء لم يكن مرده غيرته على كابول، بقدر أن هذا الانسحاب فتح الطريق أمام جيش تركيا لشن عدوان ضد الأكراد السوريين.

حملة أوروبية للتنديد بحرب أنقرة على الأراضي السورية

وهذا هو بيت القصيد، بيد أنه اعتبر الحاصل بمثابة «تقويض وبصورة مستدامة لمصداقيتنا لإيجاد شركاء ميدانيين ــ وهم قوات سوريا الديمقراطية ــ ويطرح أسئلة أيضاً بشأن عمل حلف شمال الأطلسي» وانطلاقا من صرخة أطلقتها ميديته مرئية ومقروءة على اختلافها وتنوعها «هل سنترك الأكراد يُذبحون؟» قاد ماكرون حملة أوروبية نددت بدورها بحرب أنقرة على الأراضي السورية مطالبة إياها بوقفها فورا وسحب قواتها من الشمال السوري.

وفي المقابل راحت تركيا تهدد وتتوعد بالرد الساحق ــ الذي لم يأت بعد ــ وحينها قال المتحدث باسم الرئاسة إبراهيم كالين، مُخاطباً الفرنسيين: إنّ «الأكراد ليسوا ولن يكونوا وكلاء لكم.. أيامكم الاستعمارية قد ولّت» -في تغريداته على موقعه بتويتر - لم ينس تذكرة فرنسا بماضيها قائلا: لقد «استعمرت عدة دول إفريقية في مقدمتها الجزائر وارتكبت مجازر بحق آلاف الناس، ومارست تجارة العبيد».

لكن يبدو أن هذا التراشق القاسي، الذي لم يكن هو الأول ولن يكون الأخير، لم يحرك ساكنا، وفرنسا عازمة على المضي قدما في أقلمة أظافر أردوغان بالاستغناء التدريجي عن توظيف الأئمة الأتراك في مساجدها، لتحذو حذو ألمانيا والنمسا، منعا لتغلغل أكبر للإسلام السياسي ولفكر الإخوان المسلمين في المجتمع الفرنسي.

ووفقا لما كتبته صحيفة «الفيجارو» الفرنسية، مرارا، بات من الوهم اليوم أن تحلم أوروبا بتركيا ليبرالية وعلمانية، فتحويل كنيسة آيا صوفيا السابقة إلى مسجد، هو من أجل إحياء الماضي العثماني، ولإذكاء رغبة أردوغان في الانتقام بالهوية، وبهذا يكون الرئيس التركي قد وضع نهاية لهذا الجسر الرابط بين الشرق والغرب وهي المقولة التي كان يحلو لرئيسة الوزراء الأسبق تانسو تشيللر، ترديدها وهي ُتعرف بلادها -وفي نفس الوقت- التأكيد على أنها جزء لا يتجزأ من أوروبا.