مسجد الشيخ زايد تحفة فنية في قلب أبوظبي

بدأ حلما وأصبح رحلة حياة

ما بين عبق الماضي وسحر الحاضر، يتأرجح الزمن حاملاً دفاتر ذكرياتنا وتفاصيلنا التي ارتسمت في وجداننا ورسمت ملامحنا، لتعلن جذورنا الأصيلة الممتدة عبر التاريخ.

أكثر من 20 عاما مضت وستمضي سنوات من بعدها ومسجد "الشيخ زايد الكبير" أحد أهم وأجمل وأكبر وأفخم المساجد ليس في مدينة أبوظبي في الإمارات فحسب بل في العالم أجمع.

مسجد الشيخ زايدمسجد الشيخ زايد

كم من أحداث مرت وكم من بشر يذهبون ويأتون وذلك المقدس العتيق يقف شامخا شاهدا على تاريخ تلك الديار منذ أن بدأ حلما بمخيلة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان "حكيم العرب" الذي وضع له الرؤية العامة وحجر الأساس عام 1996 ليكون رحلة حياة مفعمة بالانجازات وبناء الإنسان.

ثالث أكبر مسجد في العالم شاهدا على التاريخ

ثالث أكبر مسجد فى العالم من حيث المساحة الكلية بعد المسجد الحرام والمسجد النبوي بمساحة تبلغ 412 ألفا و22 مترا مربعا بدون البحيرات العاكسة حوله، وأحد أكبر عشرة مساجد في العالم من حيث الحجم ويتسع لأكثر من 40 ألف مصل.

نسمة هواء هادئة تدخل صدرك دون أي استئذان ما أن تطأ أقدامك العاصمة الإماراتية "أبوظبي"، إحساس بالسكينة يقتحمك مع أول إطلالاتك على تلك المدينة التي تتسم شوارعها وميادينها بطابع جمالي يقترب من تفاصيلك، يجذب حواسك سحر أجوائها التي تنعم بسحر حالم لتشهد عيناك خليطًا أسطورياً يمزج ما بين التقاليد التراثية والتقدم المعاصر الخلاب، تاريخ ثري يجعلك تعود ما يقرب من 3000 عام قبل الميلاد، ليتأكد يقينك بأن تلك الجوهرة المصونة التي تحتضنها مياه الخليج بزرقتها الصافية استطاعت بجدارة أن تحقق المعادلة الصعبة، فتجدها تحتفظ بساق ممتدة في الأجواء العربية الأصيلة، وأخرى تحفر لنفسها مكاناً متفرداً في عالم الحداثة لتلامس الفضاء البعيد.

مسجد الشيخ زايدمسجد الشيخ زايد

قباب المسجد التي تعانق السماء كانت كفيلة بان تجعلني أفيق من حالة التأمل لتعلن وصولنا إلى تلك التحفة المعمارية التي تتوسط العاصمة الإماراتية.

من أين أبدا وكيف تكون نقطة الانطلاق؟

كيف لقلم صغير أن يصف نلك الأيقونة الروحانية التي تقع عليها عيناي، لحظة لا يمكن أن تصفها أو يعبر لسانك عنها، أما عن الحالة الروحانية التي يضبط نفسك متلبساً بها ما أن تطأ قدماك أرض مسجد الشيخ زايد الكبير فحدث ولا حرج.

أقف في ساحة المسجد الخارجية لأتأمل تلك الأرضية التي تشكلت بنظام بلاطات خراسانية ضخمة محمولة على ركائز ومكسوة، بأجود أنواع الرخام المزخرف بتصاميم نباتية ملونة، تبهرني تلك الفسيفساء التي تغطي الصحن الخارجي بالكامل والتي تبلغ 17 ألف متر مربع لتكون ضمن أكبر المساحات المكشوفة الموجودة في المساجد بالعالم الإسلامي.

وتخطف بصري قبة المسجد الرئيسية والتي صُنفت أكبر قبة في العالم حيث يبلغ ارتفاعها 83 مترا وبقطر داخلي يبلغ 8,32م بل وتزن ألف طن، وقد تمت زخرفتها من الداخل بالجبس المقوى بالألياف، صممتها أيادي فنية عبقرية بزخارف نباتية فريدة زينتها كتابة آيات قرآنية شديدة الجمال.

مسجد الشيخ زايدمسجد الشيخ زايد

اعترف بأنني فشلت في أن أحصي عدد قباب تلك الأيقونة، حيرة دفعتني لسؤال أحد المرشدين المتطوعين الإماراتيين وهم كُثر، فأجابني بلطف معهود من أهل الإمارات "82 قبة" مختلفة الأحجام، تغطي الأروقة الخارجية والمداخل الرئيسية والجانبية، وجميعها مكسوة من الخارج بالرخام الأبيض المتميز ومن الداخل بالزخارف المنفذة من الجبس التي قام بتنفيذها فنيون مهرة متخصصون بمثل هذا النوع من الأعمال، ويتخذ الجزء العلوي من تلك القباب شكل الهلال المطلي بالذهب الخالص والمزخرف بفسيفساء الزجاج.

ومن قباب المسجد إلى مآذنه المتعددة تصول وتجول ليس بعينيك فحسب بل بروحك الهائمة التي تعتقد لوهلة أنك تراها تحوم حولك في الأجواء، حالة من الانبهار والصمت والتأمل تنتابك وأسئلة محيرة تلاحقك، هل عدنا إلى العصر المملوكي والفاطمي، أم نعيش في الزمن الأندلسي، أما أننا امتطينا آلة الزمن لنجد أنفسنا وقد عدنا للعصر العثماني؟

والحقيقة أن تصميم الأربع مآذن التي يبلغ طول كل منها 106 أمتار تقريبًا قد جمعت في زخرفتها ومعمارها مابين كل تلك الأزمنة، وهذا ما أكده مرافقي الإماراتي "تتكون مآذن المسجد من ثلاثة أشكال هندسية مختلفة، يأخذ الجزء الأول من المئذنة شكل المربع، ويمثل قاعدة المئذنة، حيث يعكس أسلوبه المعماري الأسلوب المغربي والأندلسي والمملوكي، أما الجزء الثاني من المئذنة فيأخذ شكل ثماني الأضلاع، ويرجع هذا التصميم إلى العصر المملوكي، بينما يأخذ الجزء الثالث الشكل الأسطواني المعروف خلال العصر العثماني، بينما يعود المصباح الذي يتوّج المئذنة المغطاة بفسيفساء الزجاج المطلي بالذهب إلى العصر الفاطمي.

إذا كان المسجد بتلك لروعة والأسطورية من الخارج، فماذا يخفيه لنا من أسرار داخله وخلف قبابه ومآذنه؟

سؤال جاءتني إجابته سريعاً مع أول خطوات لي في قلب تلك التحفة المعمارية الأسطورية، حالة من الانبهار تجعلك تفقدك القدرة على النطق، عندما تقع عيناك على أرض قاعة الصلاة الرئيسة التي تحتضن السجادة الأكبر في العالم، تحفة فنية فريدة لا تستطيع أن تصف ما تزدان به من عناصر الجمال والإتقان في التصميم، بل تندهش أكثر عندما تعلم أنها تمثل عملًا يدويًّا أبدعته أنامل مجموعة من أمهر الفنانين، وأفضل خبراء النسيج اليدوي في العالم.

يقطع صمتي مرافقي ليبهرني حديثه أكثر: "نُسجت تلك السجادة باستخدام الصوف والقطن الطبيعي، بأيدي نحو 1200 من أمهر الحرفيين، و20 فنيًّا و30 عاملًا، بمساحة تصل إلى نحو 5.400 متر مربع، تضم حوالي 40 عقدة لكل 6.5 سنتيمتر بمجموع 2.5 مليار عقدة لكامل السجادة، ليبلغ وزنها بعد اكتمالها حوالي 35 طنًّا، وعلى ضخامة حجمها صممت السجادة كقطعة واحدة كاملة".

يضم أكبر سجادة في العالم 

شردت بذهني لأعود إلى عام 2017، عندما علمت أن تلك السجادة التي ترقى إلى أن تكون عملاً فنياً فريداً ونادراً من نوعه قد استحقت بجدارة أن تدخل موسوعة غينيس للأرقام القياسية، كأكبر سجادة في العالم، تلك التي استغرقت حياكتها ونسجها حوالي 12 شهرًا، وبلغت تكلفتها نحو 30 مليون درهم.

ويعود مرافقي للحديث: "ليست سجادة فحسب، بل إنها لوحة فنية تمت المحافظة على جمالية التصميم باستخدام تقنية حلاقة السجادة، لتحديد صفوف المصلين عليها دون تأثير على تفاصيلها، التي ازدادت روعة باستخدام أكثر من 25 لونًا طبيعيًّا مستخلصًا من الأعشاب التقليدية متعددة المصادر، ومنها "جذور المدر المزروعة محليًّا، وقشور الرمان، وعروق أوراق الشجر، وغيرها".

وتابع حديثه: "يغلب على السجادة اللون الأخضر الذي يبعث في المكان نوعًا من الهدوء والراحة، بينما تمت حياكة السجادة في 3 ورش ضخمة تحتل مساحة مبنية قدرها 5 آلاف متر مربع، ويتم صيانتها بشكل دوري وفق خطط مدروسة على يد فرق متخصصة، حيث تستغرق أعمال الصيانة ما يزيد عن 12 يومًا".

أودع أيقونة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي حلم ببناء هذا المسجد ليكون صرحا إسلاميا يرسخ ويعمق الثقافة الإسلامية ومفاهيمها وقيمها الدينية السمحة ومركزا لعلوم الدين الإسلامي، فحقق أبناءه وأحفاده الحلم الذي أصبح حقيقة، وتحفة فنية تسحر القلوب ليس بالضخامة فقط بل أيضا بالجمال المتألق والروحانية عبر بناء عملاق في قيمه ومبادئه وإيحاءاته الفنية.