عززت سالي الزيني صورة الفنانة التشكيلية في الساحتين المصرية والعربية، وأصبحت لأعمالها بصمة تجعلك لا تبحث عن توقيعها كي تعرف أن اللوحة لها، حيث تُقدِّم روح البهجة بألوانها الصريحة، ورموزها المضمرة.
حول رسالتها في الفن، ومعرضها الأخير بالقاهرة يأتي هذا الحوار:
* لنبدأ من المشهد الأحدث: معرضكِ الذي اُختتم مؤخرًا، كيف بدأت الفكرة حتى أصبح علامة على طريقكِ التشكيلي؟
معرضي الأخير بعنوان (المشهد) (THE SCENE)، قُدم ضمن البحوث العملية للحصول على درجة "أستاذ مساعد" في ديسمبر 2018، بعنوان "أدب الستينات في السينما الروائية المصرية - رؤية معاصرة للملصق السينمائي (الأفيش)".
من أعمال الفنانة سالي الزيني
من خلال معرض (المشهد)، جاءت الفكرة كمشروع فني "ممتد" (2018 –2022)، يتناول "أدب الستينات"، حيث شكلت تلك الفترة الحالمة للغاية- من وجهة نظري- مادة خصبة وملهمة قدمت مصر بشكل حضاري وجمالي وثوري، ميزت تلك الفترة من العقدين الخامس والسادس من القرن العشرين، حيث تأثرت خلالهما مصر بكل قطاعاتها، وظهر تأثيرهما بالمثل في السينما الروائية المصرية، وذلك من خلال رؤية معاصرة "للمشهد الأعلى" بالفيلم، وهو المشهد المؤثر الذي لا يُمحى من الذاكرة الجمعية، أو المشهد الذي يلخص الفيلم، أو ذلك المستقر في ذاكرتي بشكل خاص، في لوحات تشكيلية تحمل "نصوصاً كتابية"، حيث يتناول المشروع الفني السمات المميزة لـ"أدب الستينات"، وتأثير "التجربة الناصرية" في حركة الأدب في تلك الفترة، حيث فرضت "الاشتراكية" قواعدها على سلوك المجتمع وتنظيماته، مستعرضاً لملامح وخصائص سينما "الخمسينات" و"الستينات" الروائية الداعمه للنظام، بالتزامن مع البداية الرسمية للقطاع العام السينمائي، وتلك الفترة الزاهرة في تاريخ السينما المصرية، والمأخوذة عن أعمال أدبية "روايات" لـ أدباء فترة "الستينات" من القرن العشرين.
من أعمال الفنانة سالي الزيني
يقدم المشروع نصوصاً بصرية موازية لتلك "المشاهد" التي حفرت بالذاكرة الجمعية، بطرح تشكيلي خاص للمشهد السينمائي الأعلى، Master Scene وبتوليفة خاصة من مجموعة من المشاهد المؤثرة بالفيلم، بعد إضافة انطباعاتي الخاصة حول تلك المشاهد، والتي تختلف في معالجتها عن الشكل المباشر للمشهد السينمائي الأصلي.
* تمثل العينات المختارة لتجسيدها في لوحات ذائقة شخصية، لكنها نجحت في تمثيل حالة عامة، كيف استطاعت لوحات المشهد ذلك؟
نعم صحيح، عملت في ذلك المشروع على عدة نصوص من روايات أدبية، حرصت - رغم اختلاف أدبائها أو كُتابها- على أن تحمل فلسفتي الخاصة في الطرح، أو موضوعات استحوذت على اهتمامي بشكل خاص، فاخترت من بين كل هذا الزخم الأدبي الرائع ما تأثرت به بشكل شخصي؛ وبالتحديد قضايا المرأة ومفهوم الحرية، والثورة على العنف والقهر، والتي صاحبت التجربة الناصرية الثورية، وناقشت الحرية بمفهوميها الخاص والعام.
من أعمال الفنانة سالي الزيني
وقد اخترت- على سبيل المثال- نموذجًا للمرأة المقهورة المعدمة المعيلة والتي تمنح باستمرار إلى أن ينتهي المطاف بأن تمنح حياتها منتحرة في سبيل الحفاظ على كيان الأسرة في رائعة الأديب العالمي نجيب محفوظ "بداية ونهاية".
وهناك الفتاة المتطلعة الوصولية في حميدة "زقاق المدق" لنجيب محفوظ، والمتمردة في "شيء من الخوف" للكاتب ثروت أباظة، وليلى "الباب المفتوح" للطيفة الزيات، الطموحة المثابرة التي تسعى لتحسين وسطها "ميرامار"، المضطربة نفسيًا وعلاقتها المريضة بوالدها "نادية" في "لا أنام" لإحسان عبد القدوس، كذلك معاناة وصراع الإنسان في بحثه عن ذاته كما جسدتها شخصية أحمد في رواية إحسان عبد القدوس "لا تطفيء الشمس"، وقضايا التحرر من السلبية والمشاركة الوطنية "في بيتنا رجل" لإحسان عبد القدوس، "رد قلبي" ليوسف السباعي، وأخيرًا القهر والظلم وظهور الميكافيليين في الطبقات المعدمة في "القاهرة 30" وغيرها.
من أعمال الفنانة سالي الزيني
* لماذا لجأتِ إلى الخامات المتعددة في التعامل مع اللوحة؟
الخامات المتعددة تعبر بشكل كبير عن شخصيتي، فبداخلي الكثير من التناقض والزخم، الذي لا أبوح به كثيرًا كما تمنحني الحرية القصوى في التعبير عن الموضوع، فلا أميل للمعالجات اللونية الواحدة الرتيبة، أو ربما المملة، وأعتقد أن تلك الوسائط المتعددة والخامات المختلطة تمنح السطح حياة وصخبًا ودفئا محببًا؛ فهي تموج بالمشاعر التي يشي بها المسطّح والتي تشبه ما يجيش في نفسي.
من أعمال الفنانة سالي الزيني
* الفنان التشكيلي المعاصر ليس متفرغًا للفن وحده، وفي حالة د. سالي الزيني نرى دورها كأكاديمية موازيًا لمسارها التشكيلي، فكيف توازنين بين المسيرتين؟
نعم، مع الأسف تلك معضلة كبيرة، فالمتبقي من اليوم المشحون بالمحاضرات والمهام الإدارية والإشراف على البحوث الأكاديمية ومتابعة الطلاب، والاشتغال ببحوثي الخاصة كمتطلب وظيفي، بالكاد يكفي لقسط من الراحة، ولكنني أحاول جاهدة دمج فلسفتي الخاصة بمشروعي الفني ضمن بحوثي الأكاديمية العملية بحيث تخدم التجربة الفنية البحث الأكاديمي والعكس، فلا أقدم مشروعًا فنيًا سطحيًا وهشًا خاليًا من الفلسفة أو المحتوى ولا أقدم كذلك بحثًا أكاديميًا معزولاً في برجه العاجي بعيدًا عن الحياة.
من أعمال الفنانة سالي الزيني
* الفن التشكيلي مسار متصل بين أجيال، ماراثون يبدأ من أساتذة ويصل إلى أجيال جديدة، في حالة سالي الزيني.. من هم الأساتذة؟
بداية أكنّ كل المحبة والتقدير لكل أساتذتي بلا استثناء، فحتى من اختلفت معه بالأسلوب والمنهجية قد أضاف لي الكثير في مسيرتي الفنية المتواضعة وأمتن لهم جميعًا، وبشكل خاص أكنّ كل التقدير والمحبة لأستاذي أ.د صلاح المليجي أستاذ الجرافيك، لكونه أنار ليّ طريقًا "للابتكار"، حيث يمتلك من الذائقة الفنية والإحساس بطلابه الكثير؛ فيكتشفهم ويطلق لهم العنان في الابتكار بحرية كاملة دون قيود بشكل أربكني في البداية، فهو مختلف في توجيهاته وتركه العنان لطلابه للتجربة والتعلم.
من أعمال الفنانة سالي الزيني
وأ.د حازم فتح الله، الذي نعتبره جميعًا الأب الروحي لقسم الجرافيك، وله الفضل الكبير في توجيهي إلى ما يناسب مشروعي الفني بمرحلة الدكتوراه، فقد اختار لي المؤرخ تقي الدين المقريزي على وجه التحديد لوصفه التاريخ الاجتماعي بلمحات إنسانية تخلو منها مؤلفات المؤرخين لمصر بين مؤرخي عصره؛ حيث اهتموا بتدوين التاريخ السياسي، فهو أستاذ موسوعي استفدت بعلمه الغزير كثيرا، وأ.د يحيي عبده - رحمه الله – الذي ساهم في تكوين ذائقتي اللونية، حيث امتلك باليتة لونية ثرية للغاية.
وأ.د سيف الإسلام بشاعريته المتدفقة في معالجة الموضوعات في الرسم والحفر. وأخيرًا أ.د حمدي أبو المعاطي داعمًا ومرشحًا لي في الفعاليات الفنية المختلفة وأكاديميًا أضاف لي الكثير في تجاربي البحثية، والعديد من أساتذتي ممن لا يتسع المقام لذكرهم جميعًا فلهم كل المحبة.
من أعمال الفنانة سالي الزيني
* .. وكيف تمدين يد التواصل مع الأجيال الجديدة؟
أحاول وبكل قوة الخروج من القوالب الجامدة لاستنساخ الأسلوب أو ما يعرف بـ"مدرسة الفنان واتباعه"، وعدم الدفع بطلابي لأن يكونوا مجرد مسنتسخات مني أو من أسلوبي كما يفعل البعض، كما أتبع نفس النهج الخاص بأستاذي "المليجي" في تنمية الابتكار لديهم، فالعقول الصغيرة النابهة لديها الكثير والكثير من الفكر الطازج المفعم بالإبداع، فقط هم في حاجة لمن يشير لهم إلى الطريق، وينير لهم بعض النقاط، فهم قادرون دومًا على الانطلاق إذا ما هيأت لهم البيئة المناسبة.
* رسالتكِ لـ الدكتوراه في فلسفة الفن، ماذا كان موضوعها؟
أطروحتي الدكتوراه عنوانها "تصميم الكتاب بين التاريخ والموروث الشعبي – رؤية معاصرة لخطط المقريزي "المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار" وفيها تبلورت بشكل كامل فلسفتي الفنية حول "الموروث الشعبي"- والذي استمر كخط ثابت في المعالجات التشكيلية واللونية أو في الموضوعات أو لكليهما بمشروعي الفني إلى الآن - من خلال رؤية تجريبية معاصرة لخطط المقريزي "تقي الدين المقريزي"، اعتمدت فيها على معالجات تشكيلية لواحد من أهم الكتب التي تناولت التاريخ الاجتماعي في مصر منذ بدء الخليقة وإلى العصر الفاطمي، والذي احتوى على كم هائل من الحكايات والأساطير والعادات الشعبية ووصف للحياة الاجتماعية في مصر، مما ألهمني الكثير في تجربتي الفنية المتأثرة بالرموز والمرويات والمعطيات الشعبية المصرية.
من أعمال الفنانة سالي الزيني
* كيف تنظرين للحالة التشكيلية في مصر الآن؟
المشهد التشكيلي المصري يمتلئ بالطاقات المبدعة الكثيرة، ربما يفوق بكثير دول العالم الأخرى والتي تعتمد على الإبهار والدعم المادي بمحتوى أجوف، فقط ينقصه الدعم المادي، ووجود رعاة للأحداث الفنية، والابتعاد عن الشللية وإتاحة الفرص للفن الحقيقي في الظهور، وتحجيم هيمنة قواعد السوق التي تفرض ذوقا بعينه على إنتاج الفنان.