خاص مهرجان إسطنبول السينمائي.. أوكرانيا الوديعة وروسيا الشريرة

الحق في الاحتجاج يتهاوى عندما تتهدد المصالح

أُسُدل الستار على الدورة الواحدة والأربعين لمهرجان إسطنبول السينمائي، التي حفلت بعشرات الأعمال المميزة، روائية كانت أم قصيرة، تمثل أركان المعمورة الخمس.

وهكذا يجد المتابع نفسه أمام زخم من الرؤى والأفكار والصياغات السينمائية المبتكرة، والسينما التركية التي سنفرد لها تقرير خاص لاحقا، لم تكن استثناء يدلل على ذلك ما حملته من معالجات لقضايا لا زال الولوج فيها من المحرمات.

وبالنظر إلى المنتخبات العالمية، التي تم اختيارها نجدها في مجملها وقد بدت لسان حال ما يموج به العالم من أزمات عاتية لا تبدو لها نهاية.

ولعل المعضلة الأوكرانية خير مثال، وكان لها حضور لافت ــلا يمكن أن يأتي مصادفةــ في أكثر من عمل منها REFLECTION وأخرجه وكتب له السيناريو وأدار تصويره Valentyn Vasyanovych. 

وكذلك فيلم Rhino وشاركت ألمانيا وبولندا في إنتاجه ومن إخراج وكتابة Oleh Sentsov، وكلاهما حرص على إظهار أوكرانيا وديعة طيبة، لكن قدرها أن تكون في مواجهة الشيطان، الذي هو روسيا في خطاب أحادي يتجاوز مفهوم الدراما حيث لا شر مطلق ولا صفحة بيضاء ناصعة لا خدش فيها.

فيلم REFLECTIONفيلم REFLECTION

إدانة للولايات المتحدة الأمريكية

وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، كانت هناك إدانة للولايات المتحدة الأمريكية من خلال العمل الألماني Rabiye Kurnaz vs. George W. Bu msh وأخرجه Andreas Dresen يحكي عن جهاد امرأة وهي Rabiye Kurnaz ألمانية من أصول تركية، لمعرفة مصير ابنها الذي اقتيد إلى جونتامو، كلنا نعرف عن جوانتانامو، والعالم كله يعرف ذلك، والشعور بمعركة الأم، وقلب الأم، هو نفسه في جميع أنحاء العالم حيث كانت ربيع كورناز تعيش مأساة ولكنها "ما زالت لا تشعر بالكراهية تجاه الناس"، ويمكن أن تنظر إلى الناس بإيجابية للغاية.

وهي شخصية يمكن أن تجعلنا نبكي ونبكي، تضحك في لحظة قال الكابتن إن الفكاهة أعطت ربيع كورناز القوة بينما كانت تقاتل من أجل العدالة من أجل ابنها.

هكذا قال فاتح يلماظ في تحليله للفيلم الذي أضاف أن Rabiye ومحاميها الأمريكي "لن يجتمعاا أبدًا في الواقع، لكنهما يقاتلان من أجل الشيء نفسه بهذه الطريقة، يجتمعان معًا، لكنهما مختلفان تمامًا فقط يوحدهما الابن المختفي.

العمل الألماني Rabiye Kurnaz vs. George W. Bu mshالعمل الألماني Rabiye Kurnaz vs. George W. Bu mshمعايير القارة العجوز المزدوجة

وفي نص سينمائي آخر بعنوان The Good Boss، أخرجه وكتب له السيناريو Fernando León de Aranoa، تطفو مجددا إشكالية معايير القارة العجوز المزدوجة، ليس فقط في علاقاتها مع بقية بلدان العالم والدول العربية بوجها خاص بل تنتهجها داخل بلدانها ذاتها. 

وThe Good Boss هو "مؤامرة فوضوية للكوميديا المناهضة للرأسمالية المتوحشة" وشخصيته المحورية التي هي Blanco الوجه الودود للفساد الرأسمالي، أو التجسيد الأكثر رقة للشر الخالص أداها الأسباني المخضرم Javier Bardem أنه رجل ليس له مبدأ، يقود أحد أبرز الشركات المصنعة للمقاييس في إسبانيا، ويحكم على موظفيه بعقلية الإغواء والتدمير، ويقودهم بطرقه الأبوية ثم يلقي بهم إلى الشارع، عندما لا يعودون يخدمون احتياجاته. 

ومن بين ضحاياه Josse المُعدم الذي تم فصله فما كان منه أن يبدأ بالاحتجاج ثم يتطور الأمر إلى الاعتصام في مدخل المصنع هذا المشهد جذب الإعلام الذي راح بدوره يسلط الضوء على القضية متحدثا مع صاحب المشكلة. 

وكان لابد من حل وليكن اللجوء للوسائل غير القانونية من خلال الاستعانة بمراهقين متعصبين اعتادوا التنكيل بالمهاجرين العرب لتأديب هذا المشاغب وطرده من أمام المصنع لكن هجومهم المباغت سينقلب لمأساة.

ولأنه صاحب حق، فسوف يقاوم الضربات وفي لحظة يأس وبكل ما أوتي من قوة أمسك بآلة حديدية من خيمته المحطمة،  ينقض بها على أحد الجناة وبضربة ساحقة يرديه قتيلا. 

لكن The Good Boss لن يعدم وسيلة للالتفاف حول الحادث وكان له ما أراد وفي النهاية يقف بثبات وورائه سجل من النياشين والأوسمة والجوائز !روز .. والحياة التي ستبدأ بعد الثامنة والسبعين

أما الفيلم الفرنسي Rose وأخرجته أيقونة البوب الفرنسية Aurélie Saada، كأول أفلامها الذي اختارته أن يكون كوميديا شاعريا، مليئ بالحيوية في بيئة مثيرة للذكريات،  بيد أنها شاركت أيضا في كتابته مع Yaël Langmann ووضعت له الموسيقي التصويرية، فيلم ممتع يبعث على الشعور بالسعادة ويحثنا على الاعتقاد بأن كل شيء ممكن في أي عمر، وأن شئنا الدقة فهو صورة شعرية وشخصية للغاية لامرأة تقرر السيطرة على مصيرها.

تلك هي روز البالغة من العمر، 78 عاما، وأدت الدور Françoise Fabian الباريسية وقد بنت حياة لنفسها حول دورين رئيسيين، كزوجة وأم ولاحقًا كجدة محاطة بأولادها وزوجها بجانبها. 

وفي المشهد الافتتاحي للفيلم، نراها تستمتع بلحظة من السعادة في حفل مع الأصدقاء المنحدرين من الجالية اليهودية التونسية وسرعان ما سيتوفي زوجها لتجد نفسها وحيدة.

وفي خضم اضطراب عاطفي كيف لها أن تفرض وجودها في مجتمع يضع قيمته الوحيدة هي التركيز على الشباب.

ويبدو أن Aurélie Saada تريد أن تخبرنا، عن طريق روز، أن العمر نسبي فقط، وهو بناء اجتماعي هدفه الوحيد هو جعل البشر مطيعين وخاضعين. 

وتوضح لنا "روز" أنه لم يفت الأوان أبدًا لبدء الكفاح ضد الانصياع، وأن الحق في الوجود والتعبير عن رغباتك الخاصة لا يتلاشى مع مرور الوقت. 

فيلم Roseفيلم Rose

من هنا أرادت Saada التفكير في التحديات التي يتعين على "النساء" مواجهتها مع تقدمهن في السن داخل مجتمع من شأنه أن يجعلهن نشيطات وجذابات ومغريات "باختصار روز هي قصة ثورة خاصة بدأتها شخصية أدركت وهي على أعتاب عيد ميلادها الثمانين، إنها ليست مجرد جدة أو أرملة هي امرأة لها الحق في تأكيد رغباتها".