حوار خاص إيناس سيد مكاوي: والدي تمنى أن يكون طيارًا.. وتعامل مع إعاقته البصرية بروح المرح

أعطى لحنًا لوردة باسم ملحن آخر لمساعدته.. وكان ضمن حرافيش نجيب محفوظ

الشيخ سيد مكاوي من أعلام الموسيقى العربية وروادها الكبار، قدم حلقات المسحراتي الشهيرة على مدار سنوات طويلة فجعلته أحد الأيقونات الخالدة والمعالم الكبرى لشهر رمضان.

أثرى الملحن سيد مكاوي، المكتبة الموسيقية بالعديد من الألحان الشرقية المميزة، ولا يوجد فنان شهير إلا وغنى من ألحانه ومنهم أم كلثوم، وكان للملحن الكبير فضلًا في اكتشاف العديد من الأصوات العربية وتقديمها للأضواء والنجومية، منهم أصالة ومحمد ثروت ولطيفة وغيرهم.

وما زالت ألحانه وأغنياته معشوقة لجمهوره العريض من المحيط للخليج رغم مرور ربع قرن على رحيله، وما زال صوته العذب الأصيل صداحا يشنف الآذان ويسكن القلوب وينشر الفرحة والتفاؤل بمجرد الاستماع إليه.

في يوم الحادي والعشرين من شهر أبريل عام 1997، رحل عنا الموسيقار سيد مكاوي تاركًا خلفه ثروة كبيرة من أجمل الألحان والأغنيات العربية.

وبمناسبة ذكرى رحيله الـ25، التقى ««7e News، ابنته السفيرة إيناس سيد مكاوي، سفيرة الجامعة العربية في روما ولدى الفاتيكان، والتي عادت للقاهرة خصيصًا للاحتفال بذكراه مع الأسرة، وأجرينا معها هذا الحوار الخاص.

سيد مكاويسيد مكاوي

وسألناها في البداية عن علاقتها بوالدها فقالت:

كنا أصحاب جدًا فلم أكن ابنته فقط بل صديقته وصاحبته وكان بيننا تناغم روحاني مما كان يثير غيرة كل الموجودين بالبيت، وكنت أرافقه في أسفاره وأقرأ له وأتحدث معه، وأجزم بأنه رباني من خلال تصرفاته ومحبته للناس وحكمته العظيمة وقدرته الرهيبة في الاحتمال والصبر والرضا بالبلاء، فهو مدرسة تعلمت منها ويكفي أن يكون في حياتي.

ما أهم المواقف والذكريات المشتركة بينكما والتي تحتفظين بها في أعماق الذاكرة؟

هناك أمور كثيرة حينما أتذكرها على المستوى الإنساني أندهش من قوة التحمل والصبر غير الطبيعية والتي كان يمارسها بالحب والصفاء النفسي. فمثلا عندما كنت أصاحبه إلى الإسكندرية كان يطلب مني الجلوس لأستمتع بشكل البحر، وكانت هذه الجملة تستوقفني وتشعرني بالخجل من نفسي، وأتساءل باندهاش كبير كيف يطلب مني الاستمتاع بشيء لم يره في حياته!

سيد مكاوي وابنتهسيد مكاوي وابنته

ذكرت قدرته على الصبر واحتمال البلاء، فكيف كان يتعايش مع ظروف حرمانه من البصر؟

رغم أنه فقد البصر في فترة مبكرة من عمره وهو طفل صغير، إلا أنه لم يتأثر بهذا الأمر، بل كان يسخر من نفسه ويتعامل ببساطة مع الواقع وهو متصالح مع نفسه بروحه المرحة وفطنته الربانية، وكان ذكاؤه الفطري وبصيرته يعوضان حرمانه من بصره وكنت أندهش حينما يتحدث عن تفاصيل بعض الأشياء وكأنه يراها فأندهش من حديثه عن الألوان وأنواع السيارات ولون البحر، وأعتقد أن الله منحه نورًا في قلبه جعله يرى بطريقته الخاصة من قبس هذا النور الإلهي.

هل فعلا كان يحاول قيادة الدراجة والسيارات رغم ظروفه؟

لم يحاول فقط، بل قاد السيارة فعلا وتحرك بها كما ركب الدراجة وكان يسعد جدًا بذلك، وشاركه الفنانون هذه الأوقات السعيدة بالنسبة له فكانوا يفسحون له الطريق، منهم مثلا نادية لطفي وفريد شوقي، وأذكر أنه كان ينتهز أي فرصة لنزول السائق من السيارة ليتلمس أزرار السيارة ومقودها ثم التحرك بها.

ولماذا كان يفعل ذلك؟ ألم يخش على نفسه من حدوث أي مكروه؟

سيد مكاوي كان يحب المزاح ويعشق التحدي، ولكننا كنا حوله سواء أهله أو أصدقاؤه، حيث لم تصل الأمور لحدوث أي مكروه، وربما كان يفعل ذلك انطلاقا من روحه الساخرة الظريفة بمعنى الكلمة، باعتباره من ظرفاء عصره.

سيد مكاويسيد مكاوي

ذكرت أنك كنت تقرئين له، فما نوع المعرفة والثقافة التي كان يحب الاطلاع عليها؟

كل الكتب وجميع المجالات كان يحب الاطلاع عليها، فقد كان مثقفًا لأقصى درجة ومتابعا لكل شيء وخاصة كتب العلوم، وكان استمتاعه الأكبر أثناء متابعته لكتب الطيران، لأنه تمنى أن يعمل طيارًا لو كان مبصرًا، وكشف عن هذه الأمنية في أحد لقاءاته الشهيرة مع الإعلامي الكبير طارق حبيب.

 وبلغ عشقه للطيران للدرجة التي جعلته يفهم تفاصيل تكوين الطائرة وطريقة قيادتها ويتناقش فيها مع كباتن الطائرات أثناء سفره.

 وأذكر في آخر رحلة رافقته فيها، وكانت لنيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية، ظل يتحدث مع كابتن الطائرة في أمور دقيقة جدًا بمكونات الطائرة بشكل أذهل الجميع.

كيف كانت علاقته بأصدقائه وبأهل الفن؟

كل الفنانين كانوا أصدقاءه، وسأحكي موقفا يجيب عن السؤال، ذات مرة زار الشاعر العربي الكبير جورج جورداق -مؤلف أغنية هذه ليلتي لأم كلثوم- مصر، ثم كتب مقالًا بعد انتهاء زيارته تحدث فيه عن سيد مكاوي قائلًا: «إنه مبهر في كل تفاصيله حتى في علاقاته وأصدقائه، ففي مجلسه يوجد وزير ويوجد نجار وقد يُفضل سائق ذي المنصب الكبير على صاحب المنصب الكبير، بمعنى أن قربه من الناس بحسب حقيقتهم وليس مناصبهم، ومن نفس المنطلق كانت علاقاته بالوسط الفني، ولا يوجد أحد في الوسط الفني لم يصاحبه والدي، رغم حجم المنافسة الشديدة في تلك المرحلة.

وهل كان يخشى المنافسة في ظل وجود زخم كبير من عباقرة التلحين والموسيقى آنذاك؟

 أبدا، ولم يكن لديه أي قلق من التنافس لثقته بنفسه وغزارة الفيض الإبداعي عنده، وأتذكر أن هناك ملحنًا كبيرًا جدًا بمعنى الكلمة وبدون ذكر أسماء دخل عليه الاستوديو أثناء بروفة لحن قائلًا: «الجملة دي تشبه حاجة أنا عملتها»، فما كان من سيد مكاوي إلا أن قال له «احذفها» ولم يتمسك بتلك الجملة أو يناقشه فيها فكان كبيرًا ولا تعجزه جملة موسيقية لأن لديه زخم غزير من الإبداع الذي يجعله يكتب عشرات الجمل الموسيقية بدلًا منها. 

وهناك تفاصيل أتحدث عنها لأول مرة عن كيفية تعامله مع زملائه وحرصه على فتح أبواب عمل لهم، وأتذكر موقفا مع الفنانة وردة حينما جاءته وقالت له: «يا أبو السيد فيه حفلة شم النسيم عايزين نعمل حاجة، فقال لها: ياوردة إحنا لسة عاملين أغنية قلبي سعيد، وأخذ ينصحها بأن تأخذ ألحانا من بعض زملائه الملحنين الآخرين الذين ليس لديهم أعمال وكان يذكرهم لها بالاسم وظل يعرض عليها أسماء ملحنين كثر وهي ترفض».

«وعندما ذكر اسم معين قالت له إن صوت ذلك الملحن يخيفني عندما أسمعه على الشريط المسجل فرد عليها والدي قائلا: "ولايهمك، هو يسجل اللحن بصوته وأنا أسجله بصوتي، وأقسم بالله أنه هو الذي وضع اللحن بالكامل ثم كتب عليه اسم ذلك الملحن حتى يتمكن من الحصول على الأجر، وكان الملحن يعي ذلك جيدا، حتى أن الفنانة وردة اندهشت وقالت لسيد مكاوي أن اللحن لحنه وليس لحن الملحن الآخر فأنكر، وهكذا كان يحب مساعدة زملائه بشكل غير مباشر وكرر ذلك مع آخرين».

 ولذلك فسيرته الطيبة متصلة وما زال موجودًا بيننا رغم مرور هذه السنوات الطويلة على رحيله، ولم أر شخصًا يحب الخير لغيره بهذا الشكل رغم الأسى والمعاناة اللذين واجههما في طفولته.

ألم تكن تمر عليه لحظات حزينة أو مشاعر من آثار تلك الفترة الصعبة التي عانى فيها كثيرًا؟

والدي كان قويًا صامدًا في مواجهة التحديات التي عاناها منذ طفولته وعاش قصة كفاح رائعة، أندهش كلما تذكرت تفاصيلها وأسأل نفسي كيف بنى هذا الإنسان نفسه بهذا الشكل في ظل ظروفه الصعبة، لقد خلقه الله بتركيبة جميلة متفائلة تعشق الحياة حتى في أصعب الظروف.

ولكن أذكر أن من أقسى اللحظات على نفسه خبر وفاة صديق عمره صلاح جاهين، فقد بلغ الحزن منه أقصى درجاته لدرجة أنه ذهل عندما وصله الخبر بالتليفون بأنه مات وأخذ يردد: "يعني تعبان قوي"! من شدة صدمته، وكتبت نعم الباز: «من لم يحضر جنازة صلاح جاهين وشاهد سيد مكاوي فكأنه حضر الجنازة بأكملها، وكانت تقصد حالة الحزن العميقة التي أصابت والدي آنذاك».

كيف كانت علاقته بصلاح جاهين؟

علاقة قوية من طراز خاص جدًا، ارتباط رهيب بينهما لدرجة أنهما توفيا في نفس يوم الرحيل 25 أبريل بفارق زمني 11 سنة، وكان والدي يقول: بحث كل منا أنا وصلاح جاهين عن بعضنا البعض حتى وجدنا ضالتنا المنشودة بالتقائنا، ونتج عن هذه العلاقة مجموعة كبيرة من أجمل الأعمال الفنية المشتركة أشهرها أوبريت الليلة الكبيرة.

على ذكر صلاح جاهين، هل غنى والدك من كلماته أغنية خاصة لرائدة الفضاء الروسية "فالانتينا"؟

نعم! كان ذلك احتفالا ببناء السد العالي في مرحلة الستينيات حيث أقيم حفل كبير، بحضور ضيوف عالميين منهم رئيس الاتحاد السوفياتي آنذاك نيكيتا خروشوف ومرافقين له من رواد الفضاء وعلى رأسهم "فالانتينيا تريشيكوفا" أول رائدة فضاء روسية، فقام صلاح جاهين بتأليف أغنية يقول مطلعها: "فالانتينا فالانتينا أهلا بيكي نورتينا" ولحنّها والدي بهذه المناسبة.

سيد مكاوي وأم كلثومسيد مكاوي وأم كلثوم

كيف كانت علاقة سيد مكاوي بأم كلثوم وهل حقا أن أغنية يا مسهرني لم تكن أولى ألحانه لها؟

فعلا لم تكن أغنية "يا مسهرني" أول ألحانه لأم كلثوم حيث سبقتها تجربة أخرى، وذلك عندما لحن لها والدي مقدمة أغنية "أنساك" قبل أن يقع خلاف بينهما ويلحنها بليغ حمدي والذي احتفظ بنفس المقدمة التي لحنها سيد مكاوي، وبعدها جاءت الفرصة ليلتقيا معًا في أغنية يا مسهرني الشهيرة. وكان والدي يحبها كثيرًا ويتلقى منها اتصالات دائمة في بيتنا للسؤال عنه.

هل حقا كانت أغنية "أوقاتي بتحلو" لوردة مجهزة لأم كلثوم؟

بالفعل كان والدي يجهز هذه الأغنية وأجرت عليها بروفات بصوتها في أيامها الأخيرة وتسجيلاتها ما زالت موجودة، ولكن رحيل أم كلثوم كان سببا في أن تذهب الأغنية لوردة.

ارتبط سيد مكاوي بالتلحين للمطربين الجدد وله الفضل في شهرة الكثيرين، فماذا تذكرين عن أولئك المطربين؟

أستطيع القول بكل تأكيد ودون أن يستطيع أحد الإنكار أن والدي ساعد كثيرا من الفنانين في بداياتهم حتى وصلوا لمرحلة الشهرة والنجومية، منهم أصالة ولطيفة ومحمد ثروت وغيرهم دون أن يتقاضى مليمًا واحدًا منهم. 

وكان يقدمهم للملحنين الكبار حتى يصبح الفنان نجما، عندئذ يختفي سيد مكاوي لذا اشتهر بأنه صانع النجوم، وأذكر أن أصالة عاشت في بيتي لمدة سنة كاملة ثم أسكنها والدي في منزل مواجه لبيته حتى صدر ألبومها الأول الشهير "لو تعرفوا" وكان يتضمن أنجح أغنياتها ثم تركها بعدما نصحها عدة نصائح وحذرها من أمور معينة وقعت بعد ذلك، فكان يتعامل بأبوة معهم جميعا، وهي حقيقة شهدت بها لطيفة في حوار تلفزيوني.

غنى ولحن سيد مكاوي تترات أشهر الأعمال الإذاعية ومنها "الحرافيش" للأديب الكبير نجيب محفوظ، فكيف كانت علاقته به، وهل جمعتهما لقاءات مشتركة مع أدباء ومفكري ذلك العصر؟

أحب أن أؤكد أن الحارة التي كتب عنها نجيب محفوظ في الحرافيش هي نفس الحارات التي سكنها سيد مكاوي في الحقيقة، وكان يعرف جيدًا معنى حرفوش ومعنى الفتوة ابن البلد وكبير الحارة، وظل يتحدث عن هذه التفاصيل من واقع معايشته الحقيقية لها، وكان يحب أن يحكي ذكريات في حارته الشعبية التي سكن فيها. 

وجمعته علاقة تاريخية مع الحرافيش، تلك المجموعة المثقفة التي تكونت وأطلقت على نفسها هذا الاسم، وكان يرافق نجيب محفوظ بجانب المخرج توفيق صالح والفنان أحمد مظهر وغيرهما، ولكنه لم يكن يداوم على حضور الجلسات، حيث لم تكن لديه مواعيد منضبطة، وربما كانت هي نفس مشكلته مع أم كلثوم فكان يقول: «إن مواعيد الصباح صعبة كما لا أستطيع النزول في مواعيد محددة لأن عندي ليل وخيال ولست صاحب مصنع مكرونة».

نجيب محفوظ وسيد مكاوينجيب محفوظ وسيد مكاوي

 كما جمعته صداقة مع مجموعة مثقفي وكتاب روز اليوسف وصباح الخير مثل أحمد بهاء الدين وحسن فؤاد وعبد الرحمن الشرقاوي والخميسي وهم أصدقاؤه المقربون جدا، وعاش معهم عمره وفرحوا به كثيرا.

هل كان يستقبل أصدقاءه في بيته؟

كان لدينا سهرة الخميس للمثقفين بحضور نجوم الأدب والثقافة والفكر أذكر منهم يوسف إدريس وأحمد مظهر، وكان عيد ميلاد والدي يوما رائعا في حياتنا وحياته بحضور كل الفنانين في ذلك اليوم احتفالا به وهو في غاية الفرحة والسعادة.

 وأذكر أنه ذات مرة حضر عيد ميلاده كل من وردة وسميرة سعيد وعليا التونسية ونجاح سلام ونادية لطفي وعمار الشريعي وعلي الحجار ومحمد ثروت وياسمين الخيام ويسرا، وعندما أدخل إلى ذلك المكان حاليا أندهش وأتساءل: "كيف كان يسع كل هذا العدد من الناس؟".

ونحن في شهر رمضان، ماذا تشعرين عندما تستمعين للمسحراتي بصوته، والذي أصبح أيقونة رمضانية خالدة؟

قدم والدي 360 حلقة من المسحراتي وعندما أستمع لها أشعر بالدهشة وأتساءل كيف كان يلحن هذا الكلام وكان الشاعر الكبير فؤاد حداد كاتب المسحراتي، يسأله نفس السؤال لأنه كلام غير موزون وخالي من التفعيلة ومع ذلك نسعد كلما استمعنا إليه ويصل لنا لأنه صادق ويقول كل حرف بمعناه.

ما الذي يراود تفكيرك في الذكرى الـ25 لرحيل الأب الموسيقار سيد مكاوي؟

لم أفتقده أبدا لأنني أعيش معه وأشعر كما لو كان بجواري منذ 25 سنة، لأنه بقلبي دائما.