هجوم تركي جديد على ما وراء تخوم الأناضول، في مسلسل هجمات لا يبدو أن حلقاته ستنتهي على المدي المنظور، والمستهدف هو عينه دون تغيير أو تبديل استئصال ما يسمي «الإرهاب الانفصالي»، وهذا بدوره لا يمكن أن يكتمل بدون ما اصطلح على تسميته «كردستان العراق» بيت القصيد والعنوان العريض، وهذا الهدف الدائم لم تضعه حكومة العدالة والتنمية التي يقودها الرئيس رجب طيب أردوغان وإنما هو عقيدة تبنتها المؤسسة العسكرية ولازمت كل الحكومات السابقة طوال العقود الثلاث الماضية.
ومع عملية الربيع المستمرة الآن، تتردد العبارات ذاتها التي قيلت في عمليات سابقة مصحوبة بشعارات حماسية ومعها نفس البؤر الانفصالية المستهدفة، وبحسب تغريدة لوزارة الدفاع عبر «تويتر» قُصفت عشرات الأهداف في زاب وماتينييا وهفشيان وباسيان، وللتاكيد على ذلك ُنشرت الصور وُبثت الفيديوهات بكافة الشبكات الفضائية الرسمية والتي تظهر تدمير الملاجئ والمخابئ والكهوف والأنفاق ومستودعات الذخيرة والمقر العسكري لحزب العمال الكردستاني الذي قيل إنه كان يعيد تجميع صفوفه ويؤسس قواعد جديدة لشن أعمال عدائية بالمدن التركية، وبحيث تنطلق من جبال قنديل على طول الحدود العراقية الإيرانية إلى السورية.
وبطبيعة الحال، كان ولا بد أن يشيد أعضاء من حزب العدالة والتنمية الحاكم وكبار مساعدي الرئيس رجب طيب أردوغان بالعملية ولتكن الثقة في الأصدقاء، وزرع الخوف بين أعدائنا، آمل أن يركض جنودنا لتحقيق انتصارات عظيمة، هكذا غرد إبراهيم قالين، المتحدث باسم الرئاسة في أنقرة.
وتناسى المتحدث باسم الحزب الحاكم عمر تشيليك، ما صرح به مسبقًا، بيد أنه أعاد تكراره بقوله: «من الناحية المثالية ينبغي أن تكون دولنا المجاورة قادرة على طرد الجماعات الإرهابية من أراضيها ولكن نظرًا لعدم قدرتهم على القيام بذلك، يتعين علينا حماية شعبنا، على أساس حق الحماية الذاتية المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة».
بدوره، تعهد وزير الدفاع خلوصي أكار، أن العمليات ستستمر حتى مقتل آخر إرهابي، لكنه أكد أن «المدنيين والتراث الديني والثقافي للمنطقة لن يتضرروا»، وبغداد هي الأخرى في كل مرة على مدار سنوات تندد وتشجب الاعتداء علي سيادتها ولا بأس من استدعاء سفير تركيا وتسليمه مذكرة احتجاج، فيما عدا ذلك لا شئ يتغير.
لكن اللافت في عملية " مخلب القفل " PENÇE-KİLİT OPERASYONU ، هو هذا السعي لموطئ قدم دائم في المنطقة وتحديدًا بكل من ماتينيا وزاب، يعزز ذلك ما ردده وزير الداخلية سليمان صويلو العام المنصرم عندما قال إن تركيا ستنشئ قاعدة في ماتينيا للمراقبة والسيطرة على الطريق المؤدي إلى الجبال الملاصقة للحدود العراقية الإيرانية، حيث يوجد مركز القيادة المركزية لحزب العمال الكردستاني أما زاب فهي المفتاح، في إشارة إلى المنطقة الجبلية حيث توجد شبكة معقدة من أنفاق ومخابئ.
وعلى الرغم من إعلان أنقرة بدء الهجمات اعتبارًا من يوم الأحد، إلا أن مصادر إعلامية أفادت بقصف قريتين على الأقل وهما «سارارو» و«هيروري» الأسبوع الفائت، في المقابل أعلن المتحدث باسم الجناح العسكري للعمال الكردستاني في العراق، أن جيش الاحتلال الذي حاول إنزال القوات بطائرات هليكوبتر أراد أيضًا التقدم برًا، مضيفًا: أن هناك اشتباكات عنيفة بينه وبين مقاتلي قوات الدفاع الشعبي التي لن تستسلم أبدا.
يتفق الخبراء الأكراد والأتراك، على أن التضاريس الجبلية ستجعل العملية الحالية صعبة وقد يستغرق الأمر أسابيع، إن لم يكن شهورًا، صحيح أن قطاعًا عريضًا من هؤلاء المواطنين ضد أي تجزئة لوطنهم، إلا أن هذا لم يمنعهم من إبداء الدهشة والاستغراب من تلك الأخبار التي تقول أثناء كل هجمة يشنها جيشهم، أنه قد تم القضاء على العشرات وتحييد المئات وهو ما يعني أن الإرهابيين يتزايدون ولا ينتهون فعلام إذن تلك المواجهات.
ولتعزيز تلك الهواجس تأتي الضربات الجوية وسط استياء متزايد بين صفوف الشعب من تصاعد معدل التضخم والارتفاع الهائل في الأسعار، خصوصًا فيما يتعلق بالطعام والسكن، وينظر الكثير إلى بدايتها ــ التي تهلل لها ميديا العدالة والتنمية ـــ على أنها محاولة من قبل الحكومة لصرف انتباه الجمهور عن مآزقها.
وفي إشارة ذات مغزي لم تقف الشبكات الفضائية المحسوبة على المعارضة كثيرا عند الهجوم العسكري بقدر تركيزها على رصد معاناة مواطنيها، نتيجة تدني الأوضاع العيشية التي تتفاقم يوما بعد آخر بلا أي أفق عن حلول ناجعة تعيد بعض الاستقرار للأسواق المشتعلة.
ويعتقد آخرون، أنها وسيلة لإثارة المشاعر الشعبية ضد حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد، الذي ينتظر قرارا لإغلاقه، خاصة وأن العديد من أعضائه متهمون بصلات مع حزب العمال الكردستاني، ومع هذا أدان العملية، قائلا إن الهجوم العسكري على أراضي حكومة إقليم كردستان غير شرعي ومخالف للقانون الدولي.
واستطرد أن حزب العدالة والتنمية، يحاول تصوير نفسه على أنه صانع سلام في الحرب الأوكرانية الروسية، لكنه أظهر وجهه الحقيقي، فهذه الحرب تدور من أجل بقائه على سدة السلطة ولا يمكننا أن نظل صامتين!