الجغرافيا علم محير، تتشابك فيه كل العلوم وتلتحم به كل الموضوعات، كثيرا ما يطرح على الجغرافي سؤالا مهمًا، ما علاقة الجغرافيا بهذا الأمر؟ ولماذا تتداخل الجغرافيا بهذا الشكل مع باقي العلوم؟ ولعل إجاباتي الشخصية دائما -كمتخصص- ما تكون باقتباس مشهور للراحل جمال حمدان هو "أن الجغرافيا هي وعاء العلوم".
جمال حمدان
لن نكتب هنا بمنطق شيفوني للعلم، ولكن سوف نتكلم من عمق العلم نفسه، فالجغرافيا علم يدرس الأرض كموطن للإنسان، لذا فأنها تشترك مع الجيولوجيا في المادة الخام لدراستها، لكن دون الغوص في أعماق الأرض. وهي أيضا تدرس الإنسان ككائن اجتماعي وليس كأفراد، ولهذا تشترك مع علم الاجتماع وعلم الاقتصاد والعلوم السياسية في الدراسة والموضوعات. ولأنها تدرس موطن الإنسان والتأثير المتبادل بين الإنسان وموطنه، لذا فأنها علم بيئي يدرس التنظيم المكاني لعناصر البيئة الطبيعية والبيئة البشرية وتفاعلها مع بعضها البعض أي متبادلة التأثير، أما بالنسبة للتاريخ؛ فالمكان هو الساحة التي التحمت عليها العصور وتكونت عليها. وعلم المكان هو علم الجغرافيا، أي أن الجغرافيا هي الجذر الجبري للتاريخ، وحتى التراث.
في ظل هذا العصر المتصارع والمتسارع على التكنولوجيا ظهرت علوم وأنماط تكنولوجية ومعرفية جديدة لها جذور قديمة ومتأصلة، كما ظهرت نوعية جديدة من الأفكار والأشياء غير الملموسة حاربت مكانها لتصنع لنفسها جغرافيا جديدة، فيما تسمى في وجهة نظري بالجغرافيا غير المرئية؛ وقد ظهرت هذه النوعية لمحاولة كسر حاجز الجغرافيا والتقليل من غضبها -وبمعنى آخر- أن جُل ما يستخدمه الفرد والمؤسسات وحتى الدول هي الشبكة العنكبوتية فهي تربط الأماكن خلال شبكة افتراضية غير ملموسة وهنا إذا فند الأمر سنجد أن كلمة شبكة هي مصطلح جغرافي صرف وبالطبع فإن المكان هو قلب وروح العلم نفسه وهذا ما أود الكتابة عنه، فالجغرافيا لها علاقة بكل الموجودات الطبيعية والبشرية والفكرية وحتى الأساطير لها ثابت جغرافي، وهذا ما يجعلنا نقف عند ما تناوله الراحل جمال حمدان في مذاكرته الشخصية وإيجازه لعلم الجغرافيا بأن امتداده كل ما هو فوق الأرض وتحت الشمس.
الأفكار أيضا لها جغرافيا، والفراسة لها جغرافيا، وكل الموجودات أيضا لها، حتى أنت كشخص لك جغرافيا، وكما ذكرنا فالأساطير لها جغرافيا، فمنذ القدم ويحاول البشر فهم بيئتهم، وعلى مدرجات المعرفة وصلوا إلى الأسطورة كمحاولة لفهم المكان والظاهرة، فعندما ظهر الإنسان على ظهر البسيطة، وجل ما كان يفكر فيه هو المكان الذي يعيش عليه والأشياء التي يراها، ونظرا لعدم قدرته على استيعابها بدأت تظهر الأساطير لتحاول تفسير وجود هذه الظواهر، فقد كان الإنسان عند نشأته الأولى مجرد عبد لبيئته كانت هي التي توجهه وتتحكم فيه أي أنها كانت سيدته، ولم تكن كما هي الآن خادم مطيع له يوجهها ويستخدمها كيفما شاء، ولم تكن مدارك الإنسان قد اتسعت أو ارتقت، وكذلك خبراته، وكل ما كان يهمه هو السعي إلى الحصول على القوت يناضل ويكافح من أجل الحصول عليه، ولكنه أدرك الجغرافيا عندما بدأ معرفة موضع ثدي أمه.
بدأ الأنسان في محاولة التفسير وبدأ التفكير في الجغرافيا واختلفت التفاسير حسب المستوى الفكري أو الخبرات التي أكتسبها بالتعايش في هذه البيئة المحيطة وبالتالي ظهرت الأساطير والخرافات والأسطورة ماهي إلا هي قصة خيالية أو مختلقة وكانت ترتبط بالظواهر والكوارث الطبيعية وتفسيرها وهنا تكمن النقطة الأولى في العلاقة بين المكان والأسطورة، فالمنهج الجغرافي يسعى للوصف والتفسير والتحليل والتخطيط، فتقول إيزيس الآلهة الفرعونية في قصة "الحمار الذهبي" للوشيوس أبوليوس: "أنا الطبيعة والأم العالمية وسيدة العناصر الأربعة والطفلة الأولى للزمن وحاكمة الأرواح وملكوت الأموات والخالدين".
إيزيس
عندما نظر المصريين القدماء إلى الكون ونشأته تأثروا بمظاهر الطبيعة كنهر النيل الذي يفيض لفترة من الزمن ثم ينحسر في أخرى، فبدأوا يخلقون نظرتهم الخاصة ويفسرون خلق الكون ومضمونه والوجود بما فيه الأرض والسماء، واعتقدوا أن المحيط الأزلي هو بداية الكون وأن على سطح هذا المحيط زهرة اللوتس، وهي زهرة مقدسة، وولدت هذه الزهرة الإله "رع" وكبر واستوى على سطحه العلوي، كما اعتقدوا أيضاً أن الأرض يحملها ثور على قرنه، وهو يقف على جسم حوت، ويقوم بنقلها بين قرنيه عندما يتعب قرنه، وعند حدوث ذلك تنتج الزلزال لأن الأرض تهتز عند نقلها، وتعتبر هذه محاولة تفكير من المصريين القدماء لإيجاد علاقة بين الأشياء وأسبابها. وتحدثنا الأسطورة السومرية المكتوبة في نص شعري فتبدأ في وصف مدينة نيبور التي وجدت قبل ظهور الإنسان وتسكنها الآلهة، وهي أسطورة ترجع إلى الألف الثالث، وتعد من الأساطير التي تدخل ضمن مجموعة الأساطير المتعلقة بالطوفان.
ومن المناهج التي يعتمد عليها علم الميثولوجيا هو المنهج أو الجانب الطبيعي، أو منشأ طبيعي يتصل بعناصر الطبيعية، مثل القمر ذلك الجرم السماوي المنير الذي دوما ما أثار خيال البشر، وكيف يظهر وينير السماء المعتمة، كما أن الكثير من الأساطير تركز على الشمس والذي اعتبره البعض مصدرا للرخاء والدفء، فنجد البابليون وقد صنعوا إلهة ترمز للقمر سموها "سين"، أما إله الشمس فكان اسمه "شمش"، وهو إله الحق والعدالة. ونستدل من ذلك على أن آلهتهم في معظمها كانت ذات علاقة بالكواكب والنجوم. وكان البابليون يحتفظون كغيرهم من شعوب بلاد ما بين النهرين بعبادة الآلهة السومرية، ويوجدون لها أسماء بلغتهم البابلية، أو ما يماثلها من آلهتهم، وكان ذلك نتيجة اختلاط الساميين بالسومريين في جنوبي بلاد ما بين النهرين.
حتى الفلاسفة حاولوا فهم الجغرافيا وربطوا المكان بخصاص البشر، فكتب "هيبوقراط" كتابا بعنوان "الجو والماء والأقاليم" بيٌن فيه المفارقات التي لاحظها بين سكان الأقاليم الجبلية، المعرضين للرياح والأمطار والذين يتصفون بطول القامة والشجاعة ودماثة الخلق وبين سكان الأقاليم السهلة المكشوفة الجافة، والذين يتصفون بنحافة القامة، وفيه طبع السيادة والإمارة، وهنا أوضح العلاقة بين الارتباط وعدم الارتباط بين البيئة وسكانها.
هيبوقراط
والمؤسف أن هناك حرب دائرة للخروج من عبء وكنف الجغرافيا، وتكنولوجيات العصر التي هي في الأساس كاسرة للحاجز والحيز الجغرافي لابد لنا من مداركة التقدم بإرجاع الأشياء لأصلها، فنحن في عصر هدم كل قواعد المكان وبات أقرب إلى مصطلح عالم الجار إن لم يكن عالم التلصص.