لقد تَعرَّضتُ للانتقاد كثيرًا بسبب انحيازي للتجربة الإماراتية في مجال التنمية، وقال لي البعض أنني أفتقد الحيادية العلمية في وصفي وحديثي عن تلك التجربة ودراستي البسيطة لها، وكان ذلك من خلال مقالاتي العديدة في المجلات العربية عن مجالات التنمية في الإمارات.غير أنني لا أجد في ذلك ما يضر بالعلم أو يقلل من دور ومصداقية الباحث الذي يُرَوِّج لتجربة أثبتت نجاحها وظهرت نتائجها وثمارها بشكل ملفت للنظر، ويدعو للفخر، وما دعاني لذلك هو أنها تجربة اعتمدت على الجهود الذاتية لحكام ومواطني تلك الدولة الذين وقفوا أمام كل الصعاب التي واجهتهم، وبداخلهم إصرارًا كبيرًا على تحقيق الحلم؛ بأن تكون الإمارات قِبلة العرب والعالم في مجال التنمية والتقدم في جميع المجالات، وقد كان لهم ما أرادوا في فترة وجيزة. فكيف لي أن أغفل تلك التجربة التي نبتت من قلب الرمال والصحاري القاحلة والموارد المحدودة؟! وترعرعت بحب الحكام لنهضة بلادهم وشعوبهم، وتَبَنَّت مناهج جديدة في التنمية لا نجدها في كتابات العلماء والباحثين، بل نجدها فقط في عقول هؤلاء الحكام وخبرتهم وعشقهم للعدل والتقدم وإعادة الدور للحضارة العربية التي ضاعت معالمها بين دعاوى العولمة والسيطرة الغربية على عقولنا ومقدراتنا. هل من المفترض أن أقلل من هذا النجاح والفكر لمجرد أنه عربي خالص بعقول وأيدِ عربية وموارد عربية؟!
إننا نتلهف على الكتابات والتجارب الغربية ونفخر بوضعها في مناهجنا ورسائلنا العلمية ومؤسساتنا البحثية والتعليمية، أليس من حقنا أن ننحاز لتجاربنا الناجحة ونكتب عنها وندعو الكتاب لدراستها والكتابة عنها، كما نفعل مع التجارب الغربية، بما أننا أمام تجربة أفعال لا أقوال.

مظاهر الرفاهية في الإمارات العربية
إن ما يميز تجربة التنمية في الإمارات أنها وضعت الإنسان وتحقيق الرفاهية له في أولويات اهتماماتها وأهدافها، ولذلك لاقت الدعم والقبول وحققت في خمسين عامًا ما لم تحققه بعض الشعوب في مئات السنين، ونجحت في التقدم بخُطى مدروسة وثابتة ومنظمة، ولا يزال في جعبتها الكثير لتقدمه للأجيال القادمة، كما أنها لم تكتف بشعب الإمارات فقط لكنها امتدت لتشمل بعض الشعوب التي ساهمت الإمارات في دعم مشروعات التنمية الاقتصادية والثقافية والعلمية والبشرية بها، فهناك العديد من المشروعات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تحمل اسم الشيخ زايد وبعض حكام الإمارات ومؤسساتها في معظم الدول العربية والإفريقية والآسيوية.

الإمارات والرفاهية
نعم أعترف أنني مُنحاز لتجربة دولة الإمارات العربية المتحدة في التنمية؛ طالما ظلت بهذا العُمق والنجاح والتطور الذي يتجدد يومًا عن يوم للأفضل في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والبشرية، وهى تثبت للعالم أن الحضارة العربية لا زالت تقف على أعمدة ثابتة متمثلة في شعوب تعشق أصولها وتراثها وأرضها وقوميتها، وحكام يُغَلِّبون مصلحة المجتمع على المصالح الخاصة لأنهم مؤمنون بأن بلادهم وشعوبهم أمانة تستحق الحفاظ عليها وحل مشكلاتها ومراعاة الله في التعامل معها.
وعندما التحقت للدراسة بقسم الأنثروبولوجيا بكلية البحوث والدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة، كانت اللحظة الفارقة في دراستي لعلم الأنثروبولوجيا، فقد تعرفت على فرع الأنثروبولوجيا التطبيقية، الذي أجاب على تساؤلات كثيرة في خاطري، ومنها ما فائدة أي علم إن لم يقدم للبشرية ما يرفع عن أفرادها المعاناة ويساهم في حل مشكلاتهم ويقدم لهم ما يغير حياتهم للأفضل ويحقق لهم العيش الكريم؟ لقد ظهر هذا العلم في حياتي ليمنحني الأمل من جديد فى مواصلة السعى لتقديم الجديد والمفيد، والنزول للميدان مرة أخرى ورصد التجارب الناجحة التى ساهم علم الأنثروولوجيا بقصد أو بدون قصد في رعايتها ورسم سياساتها والتخطيط لمستقبلها ولتجارب التنمية التي تتصل بعلم الأنثروبولوجيا والذي يعنى بدراسة الإنسان.

النمو العمراني في دبي
وما درسته وقرأته عن ذلك الفرع كان القليل من الدراسات والكتابات الغربية التي تشير لنشأة هذا العلم ومجالات تطبيقه وأهمها مجال التنمية، وكنت أتمنى أن أجد كتابات عربية كثيرة في هذا المجال الهام لأن مجتمعاتنا العربية تملك المقومات الحقيقية لقيام العلوم المختلفة التي تخدم البشرية حتى قبل ظهور المجتمعات الغربية، والتاريخ يشهد لكثير من علمائنا في كافة المجالات من قديم الأزل، فنحن من يملك الكنز الحقيقي الذي تقوم عليه مثل هذه العلوم، وهو العنصر البشرى الذي يحمل بداخله القيم والأخلاق والترابط الاجتماعي الذي ورثناه من ثقافتنا العربية ومن الرسالات السماوية التي كانت محطتها الأولى بلداننا العربية المختلفة.وفي ظل ما تشهده المنطقة العربية من صراعات وتفكك وحروب، بسبب تدخل المغرضين لإفساد حضارتنا وشعوبنا، لفت نظري ذلك النموذج المتماسك والصامد منذ قيامه وتمثيله الحقيقي على المسرح الدولى، ومواقفه من القضايا العربية ووحدة بلدانها التي لم تتغير برغم الضغوط والمشكلات التى مرت بمنطقتنا العربية والشرق الأوسط بشكل عام ألا وهو نموذج دولة الإمارات العربية المتحدة، وتأملت كثيرًا في تاريخ هذا البلد وتاريخ قادته المُشَرِّف والثابت في كل المواقف، وبدأت التساؤلات تتزاحم في عقلي من دهشة ما عَرِفْت وقرأت. كيف نجح هذا البلد في تجربة الوحدة بين سبع إمارات تحكمها قبائل مختلفة وموقع جغرافي وموارد مختلفة؟ وإذا تمت السيطرة على العناصر المادية فكيف تم إقناع العناصر البشرية التي لها مصالح مختلفة بفكرة الوحدة؟ كيف حقق هذا البلد تلك التنمية بالرغم من مروره بأزمات اقتصادية تستطيع أن تدمر مجتمعات بأكملها ومنها كساد تجارة اللؤلؤ الذي كان يعتمد عليه هذا البلد كمصدر للدخل لسنوات كثيرة قبل اكتشاف النفط؟

الإمارات واحة خضراء
كيف أصبح هذا البلد واحة خضراء بالرغم من عدم وجود موارد مائية ثابتة مثل الأنهار في بلدان أخرى؟ ولماذا حقق هذا البلد نجاحات في مجال الزراعة بالرغم من عدم احتياجه لهذا المجال، وخصوصًا بعد اكتشاف النفط؟ وكيف تغلب على ملايين الهكتارات من الأراضي الصحراوية والرمال التى من شأنها القضاء على شعوب ومجتمعات بأكملها؟كيف لهذا البلد أن يحقق الريادة في مجال الثقافة والتراث بالرغم من عدم وجود مجتمعات مستقرة به يمكن أن ندرس تاريخها وتراثها، فقد بدأ هذا المجتمع كمجتمع صحراوي يعتمد على الصيد والرعى المتنقل الذي يصعب معه جمع وتوثيق عناصر التراث الشعبي المختلفة وتنميتها؟ ما السر في التفاف الإماراتيين حول الشيخ زايد ودعمهم وحبهم له؟
أسئلة كثيرة لا تحصى جالت بخاطري بعد اقترابي من تلك الحضارة التي صنعتها أيدي أبناء هذا الوطن الذي حظي بنصيب من التنمية في سنوات قليلة تستحق البحث والدراسة، بل ويستحق أن يُدَرَّس في كل المجتمعات ليكون مثالًا للنجاح والتقدم وتحقيق الرفاهية والرخاء للبشرية.
وعندما تجولت في بعض التجارب التنموية التي مر بها هذا البلد وسياسات قادته في تلك التجارب، وجدت شيئًا غريبًا؛ هو أن بعض الكتابات التي قرأتها في مجال الأنثروبولوجيا التطبيقية وأنثروبولوجيا التنمية لا تختلف كثيرًا عن تلك السياسات التي انتهجها قادة هذا البلد في حل المشكلات التي واجهت مجتمعهم، والأغرب هو أن بعض تجاربهم تسبق حتى ظهور أنثروبولوجيا التنمية، مما زاد من تأكيد الشكوك التي كانت مجرد شطحات في عقلي عن المكان الحقيقي لنشأة هذا المجال ورُوَّاده الحقيقيين الذين لم تذكر المؤلفات في مجال الأنثروبولوجيا عنهم شيئا، وتجاهَلَت التجارب العربية العملية والتطبيقية لهذا المجال في مجتمعنا العربى، وخاصةً في دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد اتضح لي بعد دراسة بعض التجارب الإماراتية التي نجحت في تنمية الدولة وحل الكثير من مشكلاتها أن نشأة الأنثروبولوجيا التطبيقية وخصوصًا المجال التطبيقي لها، والمتمثل في التنمية كانت في مجتمعنا العربى وبأيدي أبنائه، الذين وَرِثوا أفكارها ومبادئها من تجارب أجدادهم في مواجهة الأزمات وفض المنازعات، ومن الحضارة العربية التي تصدرت حضارات العالم لسنوات كثيرة.

التنمية في الإمارات
والسبب الذي دعانا لدراسة تجربة التنمية في دولة الإمارات؛ هو أنها اعتمدت طريق التنمية المستدامة والشاملة، والتي تشمل جميع المجالات وتسخر جميع الإمكانيات والموارد في وقت واحد؛ لكي تحقق التنمية أهدافها وتؤتي ثمارها وتترك للأجيال القادمة فرصة الاستفادة منها، وكذلك تركيزها على العنصر البشري في التنمية وهو الإنسان الإماراتي والذي هو أساس كل تقدم في الدولة، وبالرغم من وجود تجارب سبقت تجربة المغفور له سمو الشيخ زايد في الإمارات وتلتها أيضًا، إلا أن تلك التجارب لا تعدو أن تكون تجربة أخذت حيزًا من الزمن وأتت ثمارها في وقتها ثم مرت البلاد التي عايشت تلك التجربة بمراحل تدهور، مثلما حدث في مصر عقب عهد محمد علي باشا، ولكن ما يميز تجربة الإمارات أنها مستمرة حتى الآن بخطى ثابتة مدروسة، لا ترتبط بقيادة بعينها، ولكنها خطة مستقبلية موضوعة لعشرات الأجيال التي ستقطن هذا البلد في المستقبل، بعكس ما نراه في بعض البلدان الآن؛ والتي يبدأ أحد قادتها أو وزرائها أو مؤسساتها الاجتماعية في وضع خطة تنمية أو لبِنَة لمشروعٍ ما ثم يرحل عن منصبه، وما تلبث تلك المخططات أن تنهار بعد رحيله عن منصبه وإحلال آخر في موقعه.وإذا كانت التجارب الغربية في مجال أنثروبولوجيا التنمية لا تتجاوز الكتابات والدراسات والنظريات، وحتى ما ذكرته بعض المؤلفات من تجارب عملية في القرون الماضية كانت بهدف استعمار بعض الدول ونهب واستغلال خيراتها لصالحهم وخصوصًا الدول الإفريقية، إلا أننا نملك في مجتمعنا العربي التجارب التطبيقية الواقعية والتي تتعدى حدود الدولة لتخدم البشرية جمعاء وخصوصًا العنصر البشري، وتلك التجارب لابد أن تحظى بالدراسة بشكل يجعلها نموذجًا يتداوله العلماء والباحثين في كتاباتهم ورسائلهم العلمية ورحلاتهم الميدانية، وأطمح أن يتحقق التكامل والتعاون بين جانبي العلم التطبيقي العربي والنظري الغربي، حتى تحقق العلوم أهدافها في خدمة الإنسانية، وأطمح أيضًا في ازدياد الكتابات والدراسات العربية في مجال أنثروبولوجيا التنمية حتى تكون تلك الدراسات مناسبة لحل مشكلات مجتمعاتنا وتقدمها وتحقق نتائج ملموسة بمناهج علمية واضحة تضع تنمية الإنسان على رأس أولوياتها.