حوار خاص واسيني الأعرج لـ«سفن إي نيوز»: تجاوزت القانون لأصل إلى بيت مي زيادة

العقاد انتقم من مي زيادة في روايته «سارة»

حياة مي زيادة أكبر من مجرد رواية 

كل القصص العظيمة أخذتها من جدتي

«أتمنى أن يأتي بعد موتي من ينصفني» عبارتها التي حرضتني على الكتابة

 قال في روايته «مملكة الفراشة»: «نحن لا نصنع أقدارنا كما نشتهي، ولكن الحياة ترتب كل شيء في سرية تامة»، ويعتبر أحد أهم الأصوات الروائية في الوطن العربي، وعلى خلاف الجيل التأسيسي الذي سبقه تنتمي أعماله إلى المدرسة الجديدة التي لا تستقر على شكل واحد، نجح بجدارة أن بصنع لنفسه مملكة أدبية خاصة معتقة بلغة شاعرية مختلفة، انفتح بإبداعاته على عوالم التاريخ والحب والفلسفة، لذا كان غزيراً في إنتاجه، متجدداً في أعماله، إنه الكاتب الصحفي الجزائري والقاص والروائي والأكاديمي واسيني الأعرج.

التقته «سفن إي نيوز» في «الملتقى الدولي جابر عصفور.. الإنجاز والتنوير» حيث حل ضيفاً متحدثاً عن عالم النقد الأدبي، محتفياً مع نخبة من كبار الكتاب من 15 دولة عربية بإبداعات الراحل الدكتور جابر عصفور.

ويحلق واسيني الأعرج، عبر السطور المقبلة بذكريات شديدة الخصوصية مع الراحلة مي زيادة، ونقترب من محطاته الإبداعية وهو الكاتب الذي اختار الحديث بالعربية وتعلمها وتفنن بها وفيها، وحول إشكالية الكتابة بلغة، والتفكير بأخرى، وكيف تجاوزها؟ ومدى إخلاصه للرواية، وأسباب هجرانه عوالم القصة القصيرة.. وإلى نص الحوار.

واسيني الأعرج مع الزميل خالد حمادواسيني الأعرج مع الزميل خالد حماد

يقول الأعرج: قبل أن أشرع في كتابة الرواية ذهبت هناك إلى بلدة مي زيادة، حيث كانت تسكن عائلتها بمنطقة «شحتوت» في لبنان، وتعرفت إلى مؤرخ العائلة سرجيوس، وكان قد وقع في يدي كتاب له عن مي، سألته باستغراب عن كتابته فيما يتعلق بمصير تلك المرأة العبقرية، وكيف لم يذكر تفاصيل عن إيداعها مستشفى الأمراض العقلية، وكانت الإجابة أنه من العائلة، وأن ابن عمها هو من أدخلها المستشفى.

صمت واسيني قليلاً وكأنه يرى مشهداً أمام عينيه ليعاود حديثه: أرادت مي أن تسافر لتعيش في لبنان، فكتبت لابن عمها جوزيف، طالبة حضوره لمواساتها، وانتهى ذلك بأن حصل منها على توكيل عام بإدارة ممتلكاتها، ومن ثم أودعها مستشفى «العصفورية» للأمراض العصبية.

ويضيف: أول حب في حياتها كان لابن عمها جوزيف، الذي تركها ليسافر إلى فرنسا، وهكذا كانت نهايتها على يده، وفي الوقت الذي قضت فيه حياتها في مستشفى «العصفورية» كانت قد شرعت في كتابة مذكراتها، وهو ما أشار إليه أمين الريحاني، وأكدته بنفسها عبر بعض الوثائق الموجودة بالجامعة الأمريكية.

واسيني الأعرجواسيني الأعرج

ظلم وجنون

ولا زال الأعرج يستعيد مأساة مي زيادة، مؤكداً أنها في محاضرتها الأخيرة بالجامعة الأمريكية، قالت: «على المثقف ألا يصمت أمام الظلم -والكلام على لسانه- تلك العبارة أدهشتني كونها خرجت من مثقفة حقيقية، وكانت ترمي بهذه الكلمة إلى ابن عمها، وقد كتب أمين الريحاني «قصتي مع مي» عقب عودته من أمريكا وعندما سمع الكثير من الأحاديث حول إصابتها بالجنون، لم يصدق وكان معها حتى عادت إلى القاهرة ليثبت صحة قواها العقلية عبر محاضراته بالجامعة الأمريكية».

صدفة

وعن الذي دفع واسيني الأعرج لكتابة رواية عن مي زيادة، قال: «الصدف في كتابة الرواية تلعب دوراً مهماً، والكتابة عن مي جاءت صدفة، عندما كانت لدي محاضرة عن النسوية العربية بجامعة السوربون بفرنسا، وكنت أشتغل بالوثائق العربية، وجدت جملة لمي زيادة تقول فيها (أتمني أن يأتي بعد موتي من ينصفني) استغربت أن كل هذه العبقرية والتاريخ تقول مثل هذا الكلام، شعرت أنها قريبة مني بل إنها توجه لي عبارتها، ووجدت أن الجملة جاءت في سياق دخولها مستشفى الأمراض النفسية، تلك الفترة التي شهدت عدم تواصل أي من المثقفين المصريين بها ومن ضمنهم طه حسين، والعقاد، مصطفي صادق الرافعي وغيرهم، كل هذا شكل عبأً نفسياً عليها».

هل تجاوزت الرواية فكرة السيرة الغيرية؟ 

حياة مي أكبر من مجرد رواية، وفي روايتي بحثت عن جانب وزاوية وفترة أعمل عليها، وقد أخذت مني أكثر من ثلاث سنوات من البحث، عرفت مثلا أنها ولدت بفلسطين وكان لدي الفرصة لزيارة فلسطين مشاركا في مؤتمر الرواية العربية برام الله، تجاوزت القانون هناك، وكان لصديقة مقدسية الفضل أن تقوم بالمغامرة إلى المرور إلى الناصرة وهناك في الناصرة دخلت بيت مي الذي ولدت فيه، الغريب أن هناك عائلة تقطن هذا البيت لا تعرف أي تاريخ مسبق لمن سكن هذا البيت من قبل، وهناك رأيتها عبر البلكون الذي كانت تجلس فيه وعرفت السر في حديثها بانفتاح حول الأديان، فموقع الشرفة مطل على الجامع الأبيض بجوار كنيسة الرحمة ويبدو أنها نشأت على فكرة تلاقي وتلاحم الأديان مبكرا، وعندما جئت إلى القاهرة ذهبت إلى قبرها الموجود بالقرب من مسجد عمرو بن العاص بمقابر المروانيين، وأحزنني كثيرا تلك النهاية التي قابلتها مي زيادة، ثلاثة أفراد فقط يسيرون في جنازتها منهم مدير تحرير الأهرام وقتها أنطوان جميل.

واسيني الأعرجالكاتب واسيني الأعرج

أخاف الله

عن الحب في حياة مي زيادة والعلاقة التي ربطتها بالعبقري «جبران» يقول الأعرج:  «ثمة ما يقرب من 21 رسالة بين مي وجبران، وقد كانت بطبيعة الحال لديها القدرة على السفر وكذلك جبران، ورغم ذلك وعلى مدار 20 عاما من كتابة هذه الرسائل لم يلتقيا فلقد كانت مي بطبيعتها محافظة، وما يؤكد كلامي ما كتبه عباس العقاد عن علاقته بمي، التي أشار فيها إنه قد تحدث إليها في مرة من المرات في موضوعات خاصة جدا فكان ردها أن رفعت يدها إلى السماء قائلة: (إني أخاف الله)».

ويلفت الأعرج إلى أن «العقاد» في روايته «سارة» انتقم من مي شر انتقام، فالرواية تدور عن علاقته بالكاتبة الصحفية اللبنانية سارة داغر، وهي فتاة منفتحة على عكس «مي» المحافظة التي مثلتها شخصية هند الفتاة التقليدية المنغلقة.

أنت مخلص جدا للرواية ويبدو أن القصة القصيرة لم تأخذها حقها من كتابات واسيني الأعرج؟

بالطبع، وقد يرجع هذا إلى أن بداياتي مع الكتابة جاءت مع القصة القصيرة ذلك كون لا مجال لنشر الرواية، كانت القصة تنشر عبر الصحف والمجلات الثقافية المنتشرة في ذلك الوقت، ثمة فرح سريع وقريب بمنجز ما ننشره، لكن كان للناقد والأكاديمي العراقي عبد اللطيف الراوي دوره في ذلك الأمر، عندما قال لي «لماذا تقتل قصصك»؟ ليس لديك نفس القصة القصيرة»، هذا ما أزعجني وأغضبني، ولكن كان لديه كل الحق في ذلك، وسألني فيما بعد «ماذا تكتب»؟ وكنت وقتها قد شرعت في الكتابة عن المهاجرين إلى فرنسا وكانت تحمل رائحة والدي الذي هاجر ولم يتم بعد الـ16 عام من عمره، وعاد إلى الجزائر واستشهد في عام 59، قال لي عبد اللطيف الراوي: «اكتب الأشياء كما ترى واتركها لي فيما بعد»، وقدمت له 70 صفحة ونشرت الرواية في مجلة «آمال» عبر عدد خاص، وعندما أقدمت على نشرها فيما بعد كتب مقدمتها قائلاً «ولد اليوم روائي يحسب له حسابا كبيرا».

واسيني الأعرجواسيني الأعرج

شخصية ثقيلة

انتقل الأعرج بحوارنا إلى نقطة تلاقينا معه وهو الملتقى الدولي الذي يحتفي بالكاتب والناقد الدكتور جابر عصفور، ليتحدث بالقول: النقد مهم جدا ومسألة أساسية في أي حركة أدبية، فهو الوسيط بين النص الأدبي والقارئ، ونحن جئنا هنا على أرض القاهرة حتى نتحدث عن تاريخ الأدب ونحتفي بشخصية ثقيلة في عوالم النقد مثل الدكتور جابر عصفور.

جدتي والعربية

وحول هل ثمة إشكالية يواجهها واسيني الأعرج في الكتابة بلغة والتفكير بأخرى، وهو الأكاديمي والكاتب الذي يقيم بباريس ويتحدث الفرنسية ويعيش بها هناك، قال واسيني: عندما تريد أن تكتب باللغة العربية بشكل مباشر تدخل في نظام مناخي وصوتي يعطيك هذه الحالة، فاللغة العربية تمتلك نوعاً من السيولة على عكس اللغات الأخرى، لذا عندما اكتب باللغة العربية أجد نفسي داخل النظام اللغوي العربي.

واسيني الأعرجواسيني الأعرج

ويختم الأعرج حديثه: «لقد ذهبت إلى اللغة العربية اختيارا، ففي الخمس سنوات الأولى من عمري كنت أعيش تحت ظلال البنية الاستعمارية الفرنسية، ولكون جذوري من (الموريسكيين)، فكان لجدتي رأي وفضل في أن أتعلم العربية، كانت تقول (أنت مستحيل أن تعرف تاريخ أجدادك دون أن تعرف اللغة العربية)، وكان أخي الأكبر حسن يكبرني بعامين، وكنت أقول لها: لماذا أنا تحديداً وحسن لا؟، فكان يجيئني ردها: حسن أخذوه الفرنسيون وتضحك، كل القصص العظيمة أخذتها من جدتي».