اليوم العالمي لمكافحة المخدرات.. آفة تستعصي على الجهود الأممية

الإدمان يتحدى الاتفاقيات الدولية ويتوغل في إفريقيا

أن تكون أسيراً مسألة لا تتطلب أربعة جدران أو حبس انفرادي إجباري، فقد تتولى بنفسك تقييد نفسك وسجنها مدى الحياة، أو تتمكن من الخلاص بعد عناء رحلة شاقة تكسب فيها نفسك وعافيتك إلى الأبد.

هدف دائم

هذا هو موجز حكاية المخدرات التي تفوق معاناتها أي وصف أو كلمات، ولأنها خطر جسيم لا يمكن إغفاله أو إنكاره، وجرس إنذار يهدد مستقبل شبابنا وبلادنا كان لزاماً علينا تسليط الضوء على هذا اليوم على وجه التحديد، اليوم الدولي لمكافحة إساءة استخدام المخدرات والاتجار غير المشروع، ذلك اليوم الذي أقرته الأمم المتحدة في السادس والعشرين من يونيو من كل عام، ولكن الاحتفال الأول به جاء بموجب القرار رقم ٤٢/١١٢ المؤرخ ٧ ديسمبر ١٩٨٧ باختيار يوم ٢٦ يونيو لمكافحة إساءة استخدام المخدرات والاتجار غير المشروع فيها من أجل تعزيز العمل والتعاون في سبيل تحقيق هدف إقامة مجتمع دولي خال من استخدام المخدرات، وهو الهدف الذي ساقته الأمم المتحدة في صفحتها التعريفية عن اليوم الذي يدعمه في كل عام أفراد ومجتمعات محلية ومنظمات من مختلف أرجاء العالم لزيادة الوعي بالمشكلة التي تمثلها المخدرات غير المشروعة بالمجتمع.

انطلقت دعوة الأمم المتحدة هذا العام من الأزمات الصحية والكوارث الإنسانية التي تواجه العالم، التي لا ينبغي أن تكون عائقاً في طريق تحدي المخدرات.

فأشارت في تقريرها إلى الحروب وأزمات اللاجئين وجائحة كورونا ومشكلة التغير المناخي واضطرابات الغذاء والطاقة في مناطق متفرقة وكثيرة حول العالم، تلك العوامل التي ضاعفت معاناتهم وأدت إلى حالة من الركود العالمي.

لذلك في اليوم العالمي لمكافحة المخدرات قرر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة إطلاق حملة الرعاية خلال الأزمات في سبيل التصدي لتحديات المخدرات وسط كل هذه الأزمات والأحداث العالمية المتلاحقة، إلى جانب الدعوة لحماية الشباب والأطفال الفئات الأكثر ضعفاً وعرضة للتعاطي، وكذلك الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات تعاطي المخدرات والذين يحتاجون الحصول على أدوية خاضعة للمراقبة.

دعوة أممية

وانطلاقاً من حملة الرعاية خلال الأزمات دعت الأمم المتحدة وتحديداً مكتبها المعني بالمخدرات والجريمة كافة الحكومات والمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني لاتخاذ كل الإجراءات اللازمة لحماية الناس سواء بالعلاج من التعاطي أو تعزيز سبل الوقاية للأصحاء بالإضافة إلى بحث مشكلة إمدادات المخدرات غير المشروعة.

في كل عام، يصدر مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة تقرير المخدرات العالمي لاستعراض بعض الحقائق والأرقام عن حجم الأزمة، منها حجم العرض والطلب من المواد الأفيونية والكوكايين والمؤثرات العقلية الجديدة، بالإضافة إلى تقديم بعض الحلول للمساعدة في علاج أزمة عالمية، والتأكيد على أنه مهما كانت حجم الأزمات فإن التواصل والتفاعل والتضامن بمثابة الأدوات الأنسب للحد من كارثة تعاطي المخدرات والإتجار غير المشروع فيها حتى وقت الأزمات الكبرى.

وتأكيداً على خطورة الموقف رغم حجم الجهد المبذول نستعرض بعض الأرقام والإحصاءات التي توضح الأزمة وتتوقع مستقبلها.

معدلات مرتفعة

وفقاً لتقرير المخدرات العالمي الصادر عام 2021 الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، فإن ما يقرب من ٢٧٥ مليون شخص حول العالم قد استخدموا المخدرات أو تعاطوها في عام ٢٠١٩، وقد شهد الرقم ارتفاعاً كبيراً بما كانت عليه في عام ٢٠١٠ حيث كان العدد ٢٢٦ مليون شخص.

كما أن هناك أكثر من ١١ مليون شخص يتعاطون المخدرات عن طريق الحقن على مستوى العالم في عام ٢٠١٩ منهم ١,٤ مليون مصاب بفيروس نقص المناعة و٥,٦ مليون مصاب بالتهاب الكبد c وما يقرب من ١,٢ مليون مصاب بالمرضين، فيما استخدم نحو ٦٢ مليون شخص المواد الأفيونية في نفس العام.

كما أن هناك ١٨٠ ألف حالة وفاة مرتبطة ارتباطاً مباشراً باضطرابات تعاطي المخدرات في عام ٢٠١٩، وأن النسبة الأكبر من وفيات المخدرات مرتبطة بالمواد الأفيونية بما يصل لنسبة ٧٠%.

إفريقيا الأسوأ

وبالنسبة لقارة إفريقيا تحديداً فإن الوضع يزداد سوءاً وفقاً للتوقعات حيث أنه بحلول عام ٢٠٣٠ فإن عدد متعاطي المخدرات فيها يصل إلى نسبة ٤٠%، وقد فسر التقرير الأسباب بالتغيرات الديمغرافية في القارة ، والإشارة إلى توقع حدوث زيادة عدد الأشخاص الذين يتعاطون المخدرات في جميع أنحاء العالم فإن الزيادة ستكون بارزة بشكل خاص في إفريقيا لأن سكانها الأصغر سناً، وتعاطي المخدرات تكون بين الشباب أعلى عنها بين كبار السن، كما أن زيادة سكان إفريقيا تكون أكبر من سكان المناطق الأخرى، وهي الأسباب التي تفسر زيادة النسبة بصورة لافتة في إفريقيا.

اتفاقيات مكافحة المخدرات

الجدير بالذكر أن المعاهدة الدولية للمخدرات عام ١٩٦١ تحظر إنتاج وتوريد المخدرات والعقاقير ذات الآثار المماثلة إلا بموجب ترخيص ولأغراض محددة كإجراء الأبحاث والعلاج.

كما أن هناك اتفاقية المؤثرات العقلية السارية منذ العام ١٩٧١ وهي معاهدة تابعة للأمم المتحدة تهدف إلى السيطرة على العقاقير ذات التأثير العقلي مثل الأمفيتامينات والباربيتورات والبنزوديازيبينات والمنشطات، حيث كانت الاتفاقية الوحيدة للمخدرات عام ١٩٦١ لا يوجد بها حظر للعديد من المؤثرات العقلية المكتشفة حديثاً، بالإضافة إلى اتفاقية الأمم المتحدة عام ١٩٨٨ لمكافحة الإتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية.

حب التقليد

من جانبها تنصح الدكتورة سامية خضر أستاذ علم الاجتماع بكلية التربية جامعة عين شمس الآباء والأمهات بضرورة توخي الحذر واستباق أي مخاطر تحيط بالأبناء من خلال المتابعة المستمرة والحوار الدائم القائم على التفاهم والود والصداقة، مشيرة إلى أن أساس علاقة الشباب بالمخدرات هي حب التقليد والتجربة.

مصارحة

لذلك تشدد على أهمية توعية الأبناء بتلك المخاطر دون خجل أو تردد أو تفكير في أن معرفتهم بتلك الأمور يعرضهم للخطر لأن العكس هو الصحيح ينبغي أن يكون الأبناء على دراية تامة بالمخاطر التي تحيط بهم بل وبالنتائج والآثار الوخيمة التي يمكنهم التعرض لها إذا تركوا أنفسهم فريسة لهذا الطريق.

وتنصح الأم بضرورة تقصي سلوك أصدقاء الأبناء، موضحة أن اليقظة والرقابة ضرورتان لمعرفة من هم دائرة أصدقاء ومعارف الأبناء.

نقاش هادئ

وتؤكد أن المسألة لا تقتصر على جمع المعلومات بل ينبغي اتخاذ الموضوع من منطلق مشاركة الأبناء في أحداث حياتهم ويومياتهم وبناء علاقة صداقة وطيدة معهم تسمح لهم برواية كل ما يتعرضون له مهما كان، لذلك توصي بضرورة أن يكون النقاش دائما بشكل هادئ دون إثارة مشكلات أو الحديث بنبرة حادة حتى لا ينصرف الأبناء عن تلك العادة، مهما كان الموضوع أو المسألة التي يناقشها الأبناء لابد أن يقوم الحديث على أساس الصداقة والمصارحة باختلاف الطريقة التي تتناسب مع تطور أعمارهم وتغير طريقة تفكيرهم.

نشاط رياضي

كما تشير خضر إلى ضرورة توعية الأطفال بخطورة المخدرات وأضرارها والتأكيد على مصيرها المأساوي المحتوم، وفي المقابل العمل على مشاركتهم في أنشطة اجتماعية ورياضية تساعدهم على استهلاك الوقت وبذل الجهد الذي لا يقدر على منافسته أي شيء.

مسؤولية جماعية

وتشير إلى الدور الذي باتت تلعبه السوشيال ميديا والدراما التليفزيونية والأفلام السينمائية في تشكيل اهتمامات الشباب والأطفال، فلم تعد وسائل الإعلام تقوم بدور إرشادي كما كانت عادتها في الماضي القريب، لذلك تطالب بضرورة اتخاذ ما يلزم لحفظ الثقافة العربية والعمل على توعية المجتمع وتقديم مفاهيم وموضوعات تتناسب معه وأن يكون تقديم المفاهيم الخاطئة في إطار من التوعية والتثقيف والإرشاد بما هو خطأ وتأثيره وما هو صحيح، لتُنهي حديثها قائلة: "الفن الراقي غذاء للروح، وكل الأدوار تتكامل وتتحمل مسئولية مشتركة".