من المراجع المهمة التي يمكن الاستناد إليها حين الحديث عن المخرج الكبير صلاح أبوسيف الذي رحل عن دنيانا 22 يونيو عام 1969، ما دونه الكاتب الصحفي عادل حمودة تحت عنوان "مذكرات صلاح أبو سيف" تقديم طارق الشناوي.
وجاءت المذكرات في 265 صفحة من القطع المتوسط متضمنة ألبوم صور وأبرز أفيشات أفلام صلاح أبو سيف الملقب بمخرج الواقعية.
ويصف الكاتب الصحفي عادل حمودة، صلاح أبو سيف بأنه "نجم من طراز خاص وطراز واقعي، لا يعرف الوهم، ولا يدمن الكذب، غير متنوع الوجوه ولا يميل إلى عمليات التجميل والترقيع وشد الجلد، إنه يلمس الأرض دون أن ينسى حقه في التطلع إلى السماء يعرف طول قامته الفنية ويصر على الإضافة إليها".
صلاح أبو سيف
يؤكد "حمودة" أن أرشيف صلاح أبو سيف ممتليء بالمفاجآت منها مقالات نقدية كتبها أبوسيف بنفسه عن أفلام لم يصنعها، وإنما صنعها غيره، فقد دخل السينما من باب الصحافة وعرف سطوة المطبعة قبل أن يعرف سطو الكاميرا، وربما كان ذلك سر تعامله بحذر مع حاشية صاحبة الجلالة فقد كان فرداً منها.
الكاتب الصحفي عادل حمودة
يشير عادل حمودة إلى أن "أبوسيف لا يميل إلى الموضة، فهو محافظ بطبيعته والتغيير في حياته يجري بهدوء، ولايعرف قيادات السيارات ولايريد أن يعرف، زوجته تقود سيارته نيابة عنه، وعندما تكون مشغولة يلجأ إلى التاكسي، ويفضل المشي إذا كان المشوار قريبا ويساعده على ذلك أنه يحمل عادة أشياء في يديه".
يرجع حمودة عدم اكتراث أبو سيف بالموضه إلى أسباب منها البيئة الشعبية الفقيرة، والظروف الصعبة التي وجد فيها نفسه، والتي فرضت عليه تلك الظروف من الاحتمال، وقهر التطلع وكبت الرغبات، وتخفيف المطالب إلى جانب تحديد الأولويات، وأهمية الأشياء.
ويلفت عادل حمودة إلى أن المذكرات سجلها على شرائط كاسيت مع صلاح أبو سيف، وصاغها في بداية التسعينيات، وقبل أن ينهى تسجيلاته مع المخرج الكبير تعرض لمرضه الأخير، وقرر "حمودة" صياغة التسجيلات ليراجعه.
صلاح أبو سيف
ولم يمهل القدر صلاح أبو سيف لاستكمال التسجيلات وفي زحام الحياة فقد عادل حمودة المذكرات وحصل عليها مؤخراً وعرضها على محمد صلاح أبو سيف فأقرها.
يشير عادل حمودة إلى أن "أحد أحلام صلاح أبو سيف إصدار كتاب أو أكثر يضم أهم مقالات النقاد عن أفلامه لنرى كيف يختلف النقاد على العمل الواحد؟ كيف يمدح البعض وكيف يذبح البعض الآخر؟ فلا أصول ولا قواعد تفرض نفسها على النقد السينمائي عندنا.. ولا تعبير إلا عن الذات والمزاج؟
يؤكد حمودة أن أبوسيف كان أول من أقنع محفوظ بكتابة السيناريو للسينما مباشرة دون المرور على مرحلة القصة الأدبية، وولد تحالف قوي بينهما دعم ولا شك تيار الواقعية.
صلاح أبو سيف ونجيب محفوظ
ويتابع: كان أول من فكر في نقابة السينمائيين، وأول من طالب بمعهد للسينما، أول مخرج مصري يصدر عنه كتاب، والكتاب عنوانه "فنان الشعب" كتبه في سنة 1986 الناقد السينمائي الراحل سعد الدين توفيق وفي مقدمة الكتاب سؤال: لماذا صلاح أبو سيف؟ وكانت الإجابة: لأنه المخرج الذي فاز أكثر من غيره بجوائز الدولة في مسابقات السينما التي أجرتها وزارة الثقافة في سنة 1955، وسنة 1963، وجائزة الجامعة العربية في 1967 و1968، ونال فيها جميعا جائزة أحسن مخرج، ونال وسام الدولة للفنون والآداب في عيد العلم 1963
ويشير الكاتب الصحفي طارق الشناوي عبر مقدمته لكتاب "مذكرات صلاح أبو سيف" إلى أن "عادل حمودة يضع في تلك المذكرات الكثير من النقاط المهمة التي ترسم لنا أكثر من صورة من "بورتريه" لشخصيات لعب دوراً رائداً ومحورياً في حياتنا، اقتنصها عادل حمودة بمهارة صحفي مخضرم من صلاح أبوسيف، وأيضاً كانت فرصة مهيأة لكي نرسم ملامح زمن بكل تفاصيله.
طارق الشناوي
من هذه الشخصيات مثلاً رائد الواقعية وأستاذ صلاح أبو سيف الأول الذي فتح عينه على الكثير من الجوانب غير المألوفة لفن السينما، أقصد رائد الواقعية الأول كمال سليم.
فيلمه "العزيمة" حمل في البداية اسم "الحارة" ولكن وزارة الداخلية المسؤولة وقتها عن الرقابة احتجت على الاسم، على اعتبار أنه يسىء لسمعة البلد، رغم أن كل بلدان العالم كما ومعروف لا تخلو من حواري وأزقة وهكذا وجدوا الحل في اختيار اسم العزيمة رغم أن الجزء الرئيسي للأحداث يجري في الحارة بين بطلي الفيلم فاطمه رشدى وحسين صدقى".
التصريح الذي تمكن الأستاذ عادل حمودة من اقتناصة أيضاً هو أن كمال سليم قد أصابه الغرور بسبب النجاح الطاغي لـ"العزيمة"، ثم ابتعد عن الواقعية وقدم أفلاماً تشبه السائدة وقتها فلم تنجح.
كشفت المذكرات لغز عشناه منذ رحيل نجيب محفوظ، ولماذا لم يكتب اسمه على تترات فيلم "شباب امرأة" والذي مثل مصر في مهرجان كان 1956.
ورغم أن الجميع يؤكد أن نجيب محفوظ شارك في كتابة السيناريو مع صلاح أبو سيف، بينما انفرد السيد بدير بكتاب الحوار والقصة لأمين يوسف غراب، فإن التترات تشير إلى اسم غراب أيضاً مشاركاً في الحوار مع انفراده بالقصة.
وكان لتوفيق صالح آخر "الحرافيش"، أي شلة الأديب الكبير نجيب محفوظ، تصريح أشار فيه إلى سبب سقوط اسم نجيب محفوظ من على تيتر فيلم "شباب امرأة " لصلاح أبو سيف.
من فيلم الحرافيش
وقال صالح للناقد طارق الشناوي إن "الكاتب أمين يوسف غراب، كان قد حقق شهرة عريضة ورأي نفسه أهم من نجيب محفوظ ولهذا رفض أن يكتب اسمه بجواره بوصفه كاتب القصة السينمائية، بينما الحقيقة هي أن أمين يوسف غراب قرر أن يستأثر بالفيلم، وأبعد نجيب محفوظ بحيلة عندما طلب المنتج رمسيس نجيب بمنحه ورقة مكتوباً فيها أن يكتب القصة ويشارك في السيناريو والحوار لفيلم "شباب امرأة" حتى يتسنى له أن يتقدم لنقابة السينمائيين بطلب للحصول على كارنيه العضوية.
من فيلم شباب امرأة
واستغل تلك الورقة ليبعد نجيب محفوظ تماماً عن المشهد بعد أن تقدم بها لساحة القضاء وليس فقط إلى النقابة، وتوجد إشارة واضحة إلى أن الشاعر والصحفي صالح جودت لعب دورًا أمام القضاء لصالح غراب.