يقف «نجم الشباك الأول» ذو الثمانية والعشرين عامًا، أمام الفاتنة «ماجدة» ليصدح صوت «العندليب» بإحدى أشهر أغانيه: «عقبال حبك لما يغني.. وأنا مرتاح البال متهني.. ودموع عيني ترقص مني.. لما تشوف الناس جيالك.. عقبالك يوم ميلادك لما تنول اللى شغل بالك».
لم يكن عبدالحليم علي شبانة، ابن قرية «الحلوات»، بمحافظة الشرقية في مصر، يعلم أنه سيغني تلك الكلمات، وهو في أوج تألقه في هذا العمر، وبعد 6 سنوات فقط من أغنيته الأولى «لقاء» التي غناها في 1951، التي بدَّل خلالها اسمه من عبدالحليم شبانة إلى عبدالحليم حافظ، بعد أن اكشتفه الإذاعي حافظ عبدالوهاب، وسمح له باستخدام اسمه «حافظ» بدلا من شبانة.
عبدالحليم حافظ
غنى عبدالحليم حافظ، أغنيته الشهيرة «عقبالك يوم ميلادك» ولم يكن يعلم أيضًا أنه سيغنيها في منتصف عمره تقريبًا، حيث توفي وهو يناهز السابعة والأربعين، بعد أن أجرى ما يزيد من سنوات عمره من عمليات جراحية، التي تعدت 61 عملية جراحية لمحاولة علاج آثار مرض «البلهارسيا».
كان صعود «حليم» إلى قمة عرش الطرب في مصر والوطن العربي تحقيقًا لما تمناه في أغنيته، نال ما شغل باله منذ أن التحق بالمدرسة وتجلّى حبه العظيم للموسيقى حتى أصبح رئيسا لفرقة الأناشيد في مدرسته، ومن حينها وهو يحاول الدخول لمجال الغناء لشدة ولعه به.
العندليب
«اختارت الدنيا الميعاد واختاروا اسمي في الميلاد.. لا كان بإيدي بدايتي ولا بإيدي نهايتي»، هكذا كان السؤال يتردد مع صرخات الطفل الصغير، الذي توفيت والدته بعد 3 أيام فقط من ميلاده، ولم يكد يتمم كلماته الأولى حتى فقد والده أيضًا، في العام الأول من ميلاده، ليصبح يتيمًا، ليعيش بعدها في بيت خاله متولي عماشة.
كان يلعب مع أولاد عمه، في ترعة القرية، ومنها انتقل إليه مرض البلهارسيا الذي دمّر حياته.
في العام 1957، وقبل وفاة العندليب بعشرين عامًا، كشف الموسيقار الكبير كمال الطويل في مقال نادر كتبه عام 1957، أن نقيب الموسيقيين عارض اشتغال عبدالحليم وكل الملحنين تهربوا منه.
وذكر الطويل، أنه في أول مواجهة للعندليب مع الجمهور لم يتقبله الناس ورفضوا الاستماع له عندما غنى أغنية «صافيني مرة» التي لحنها له صديقه محمد الموجي وقذفه الجمهور بالبيض والطماطم، وكانت صدمة كبيرة للعندليب.
عبدالحليم حافظ وكمال الطويل
كما تهرب الملحنون من التعاون مع حليم في بداية حياته ولم يقتنعوا بموهبته، وشرح في هذا المقال كيف أثرت صداقته للعندليب في مصير كل منهما، حيث أصبح هو ملحناً من أجل عيون صديقه بعد أن تهرب منه جميع الملحنين، وهي الحادثة التي تذكرنا بما يحدث الآن من منع ورفض لتيار «أغاني المهرجانات» ومطربها الأشهر «حمو بيكا».
التحق عبدالحليم حافظ، بمعهد الموسيقى العربية قسم التلحين عام 1943، والتقى كمال الطويل؛ حيث كان يدرس في قسم الغناء والأصوات، وتخرجا معًا عام 1948.
رشح عبدالحليم حافظ، للسفر في بعثة حكومية إلى الخارج لكنه ألغى سفره، وعمل 4 سنوات مدرسًا للموسيقى بطنطا ثم الزقازيق وبعدها بالقاهرة.
عبدالحليم حافظ والموجي
وأعاد غناء «صافيني مرة» كلمات سمير محجوب، وألحان محمد الموجي في يونيو عام 1953، يوم إعلان الجمهورية، وحققت نجاحًا كبيرًا، لتبدأ «حكاية شعب» مع اليتيم الذي تبناه الشعب.
قدم عبدالحليم، أكثر من 230 أغنية متنوعة، إلى جانب بعض الابتهالات الدينية من من كلمات الشاعر عبد الفتاح مصطفى، وألحان محمد الموجي، وقدم للسينما 16 فيلمًا سينمائيًّا.
لديه مسلسلا واحدا في الإذاعة المصرية، بعنوان «أرجوك لا تفهمني بسرعة»، الذي قدمه في فترة السبعينيات، وشاركه بطولته عادل إمام و«الوجه الجديد» آنذاك نجلاء فتحي.
عبدالحليم حافظ ونجلاء فتحي من المسلسل الإذاعي أرجوك لا تفهمني بسرعة
أصيب العندليب الأسمر بتليف في الكبد سببه مرض البلهارسيا، وكانت أول مرة عرف فيها بهذا المرض عام 1956، عندما أصيب بأول نزيف في المعدة وكان وقتها مدعواً على الإفطار بشهر رمضان، لدى صديقه مصطفى العريف.
توفي يوم الأربعاء في 30 مارس 1977 في لندن عن عمر يناهز السابعة والأربعين عاماً، والسبب الأساسي في وفاته هو الدم الملوث الذي نقل إليه حاملاً معه التهاب كبدي فيروسي (فيروس سي) الذي تعذر علاجه مع وجود تليف في الكبد ناتج عن إصابته بداء البلهارسيا منذ الصغر، كما أوضح فحصه في لندن.
مرض عبدالحليم حافظ
ولم يكن لذلك المرض علاج وقتها، وبينت بعض الآراء أن السبب المباشر في موته هو خدش المنظار الذي أوصل لأمعائه مما أدى إلى النزيف وقد حاول الأطباء منع النزيف بوضع بالون ليبلعه لمنع تسرب الدم، ولكن عبدالحليم مات، ولم يستطع بلع البالون الطبي.
حزن الجمهور حزناً شديداً حتى أن بعض الفتيات من مصر، انتحرن بعد معرفتهن بهذا الخبر.
وشُيع جثمانه في جنازة مهيبة لم تعرف مصر مثلها، سوى جنازة الرئيس المصري جمال عبدالناصر، وأم كلثوم، سواء في عدد البشر المشاركين في الجنازة، الذي بلغ أكثر من 2.5 مليون شخص، أو في انفعالات الناس الصادقة وقت التشييع.
من جنازة عبدالحليم حافظ