سعاد حسني
جميلة، شقية، مرحة، خفيفة الروح والدم، أخت القمر كما وصفت نفسها حين غنت في طفولتها، ابتسامتها خاطفة تأسر القلوب قبل العيون أما الضحكة فتنهار أمامها كل سبل المقاومة.
قل ما تشاء في وصف السندريلا سعاد، التي تستحق أكثر من ذلك، ولكن خلف هذه الصورة المشرقة كانت تختبئ سعاد أخرى، أكثر حزناً وتعاسة، وشعور بالخوف مما تخفيه لها الأيام ربما لأن ما شهدته منذ كانت طفلة كان يشير دائماً إلى أن نصيبها الأكبر سيكون من الأحداث والأوقات الأصعب.
لم تكن دنياها وأيامها ربيعاً كما غنت ومنحت محبيها الأمل والسعادة بأغنية، بل كانت تفعل المستحيل لتمسح الحزن و«التكشيرة» عن قلبها الذي ظل يقاوم حركات «الشيكا بيكا» مع الدنيا التي أصرت على اختبار صلابتها وقوة تحملها باختبارات ومفارقات قدرية حزينة.
سعاد حسني
سعاد ابنة الخطاط العربي محمد كمال حسني، الذي انفصل عن والدتها السيدة جوهرة، ولا تزال هي بعمر الخامسة، حيث كانت تتنقل بين منزل الأب والأم التي تزوجت من زوج ثان هو عبدالمنعم حافظ، مفتش التربية والتعليم كحال الأب الذي سبق وتزوج من أخرى، لذلك كان لـ سعاد 16 أخاً وأختاً، كانت هي العاشرة من بينهم، وكانت كوثر وصباح الشقيقتين من الأب والأم، أما البقية فهناك 8 إخوة وأخوات من الأب، و6 من الأم، وقد كانت نجاة الصغيرة أختها من الأب.
وهكذا قضت طفولتها بين والدين منفصلين، فلم تذق طعم الاستقرار أو تشعر بدفء الأسرة.
ورغم أن الفن فتح أبوابه لسعاد حسني منذ طفولتها، فغنت «أنا سعاد أخت القمر بين العباد حسني اشتهر»، حيث يعود الفضل للشاعر عبدالرحمن الخميسي في اكتشافها ولفت النظر لموهبتها، ما جعله يساعد في إشراكها بمسرحية «هاملت» لشكسبير حيث قدمت دور «أوفيليا»، ولكن يبقي عام 1959 هو نقطة انطلاقتها وشهادة نجاحها التي بدأت بعدها رحلتها الفنية.
سعاد حسني
ولكن إن كان طريقها الفني مُمهداً ميسراً لها لتقدم حوالي 82 فيلماً سينمائياً داخل مصر وعدد من الأفلام خارجها، ومسلسل تليفزيوني وحيد «هو وهي» وعدد من المسلسلات الإذاعية وهو رصيد كبير نافست به وبقوة كل بنات جيلها، إلا أن التخبط كان عنواناً لحياتها الشخصية منذ بداية رحلتها حتى النهاية.
العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ كان واحد من الأزمات التي واجهت سعاد حسني، وأرهقت قلبها ونفسها، حيث كانت ترغب دائماً في زيجة رسمية علنية أمام الجميع، فيما يرغب هو في الإبقاء على الوضع السري، ربما للسبب الذي يتم تداوله عن القصة دائماً وهو خوف «حليم» من تأثير ذلك على شعبيته ومعجباته في الوطن العربي كله، وقد يكون لأسباب أخرى لا يعلمه غيرهما، ولكن في الأخير النتيجة واحدة وهي قصة حب جميلة عاشتها السندريلا مع العندليب في بداية حياتها الفنية، وكانت تتمنى لها مصيراً أخر يخالف ما آلت إليه الأمور.
سعاد حسني وعبدالحليم حافظ
زيجة عمرها 5 سنوات بدأت في 1960، لتبقى خير شاهد على واقع حزين يختلف لا يمت بصلة لأحداث أفلامها ونهايتها السعيدة.
«عروس» و«أم» مع إيقاف التنفيذ
وبخلاف عبدالحليم حافظ، فقد تزوجت سعاد، 4 مرات هي على الترتيب المصور والمخرج صلاح كريم، المخرج علي بدرخان ابن المخرج أحمد بدرخان، زكي فطين عبدالوهاب، الذي كان طالباً في السنة النهائية بقسم الإخراج في معهد السينما آنذاك، وهو ابن الفنانة ليلى مراد، والمخرج فطين عبدالوهاب، وأخيراً كاتب السيناريو ماهر عواد الذي لم تنفصل عنه حتى وفاتها.
وكل هذه الزيجات لم تشهد إطلالة السندريلا كعروس بفستان الزفاف الأبيض الذي طالما ارتدته أمام الكاميرات وبصحبة عشرات الأبطال من أبرز فنانين جيلها، ولكن لم تشعر بإحساس ارتدائه في الواقع.
سعاد حسني
كما شاء القدر عدم إنجابها من أي منهم، رغم تكرار مرات حملها في أثناء زواجها من علي بدرخان، الذي استمر نحو 11 عاماً، ولكن كان الإجهاض مصيرها بسبب الإجهاد وعدم قدرتها ولا رغبتها في راحة من التمثيل الذي كان يرهقها إلى هذا الحد الذي أطاح بحلم الأمومة بعيداً، ولا تحتاج المسألة لأي تكهنات أو اعترافات ولكن كان الأمر بالتأكيد اختباراً قاسياً لفنانة تمتلك كل هذه المشاعر والأحاسيس ولم تستطع اختبار مشاعر الأمومة وتجربتها خاصة وأنها خاضت ولو جزء بسيط منها بالحمل عدة مرات.
لم يكن ليتخيل أحد أن صاحبة هذه الروح المُحبَّة للحياة، ستعاني من كل هذا الألم على مدار سنوات طويلة شهدت إصابتها في العمود الفقري خاصة فقرات العجز والقطنية ومعاناتها الشديدة من الأمر خلال تصوير عدد من أعمالها أبرزها فيلم «الدرجة الثالثة» ومسلسل «هو وهي» اللذان شهدا تفاقم الوضع وتدهوره، خاصة بعد أن أصيبت بضغط في الأوعية الدموية وتمزق في الشرايين، تسبب لها في آلام قاسية في الظهر والقدمين.
سعاد حسني وأحمد زكي من مسلسل هو وهي
ورغم كل هذه الآلام وافقت على المشاركة في فيلمها الأخير «الراعي والنساء» مما زاد الوضع سوءاً واضطرها للسفر إلى فرنسا لإجراء عملية جراحية في العمود الفقري، وقد تم تثبيت الفقرات من خلال صفيحة معدنية، وعادت إلى القاهرة بعد التعافي رغبة في العودة لحياتها الطبيعية ولكن لم تتركها الآلام بل عادت وبقوة بعد إصابتها بالتهاب فيروسي في العصب السابع جعلها تخضع للعلاج بالكورتيزون الذي تسبب لها في زيادة في الوزن، كانت هي الأخرى سبباً في تدهور حالتها النفسية والصحية.
سعاد حسني من فيلمها الأخير الراعي والنساء
وقد تخلت عن العلاج فجأة، والسبب كما ساقه البعض هو وفاة والدتها آنذاك، ما أصابها بما يطلق عليه الأطباء نكسة عودة المرض.
لذلك عانت سعاد، من آلام الظهر التي رافقتها لسنوات طويلة، والتهاب العصب السابع الذي تسبب لها في أضرار نفسية وجسدية صعبة، ومعهما بعض آلام الأسنان التي فاقت قوة تحملها في بعض الأوقات، ليتحول واقعها إلى سلسلة حلقات من الألم بعد كل الأمل والسعادة والانطلاق الذي منحته لعشاقها في معظم أفلامها.
هي كارثة بكل المقاييس، وليس بالأمر تهويلاً أو مبالغة، فالشاعر الكبير صلاح جاهين في حياة سعاد كان السند والصديق والأب الروحي وكل شيء.
سعاد حسني مع صلاح جاهين
رحيل جاهين في أبريل عام 1986 كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر سعاد، فقد انطفأت بعده، بل وسبقتها فترة اكتئاب جاهين التي كانت من أصعب أيام سعاد وأكثرها قسوة على نفسها.
كانت تشعر بأن جاهين قد فقد شغفه بل ويستعد للرحيل ويتمناه، وكانت تخشى يوم الفراق حتى حان وقته.
وقد يكون صوت سعاد وهي تردد أشعار جاهين بصوت حزين يبدو عليه كتم البكاء والنحيب، هو أصدق تعبير عن قوة ارتباطهما وصلابة علاقتهما.
سعاد حسني مع صلاح جاهين ومجموعة من أصدقاءهم
جاء هذا الموقف على لسان الفنان حسن يوسف، الذي جمعته الصدفة بسعاد حسني أثناء تواجدها في لندن، حين سافر إحدى المرات إلى هناك والتقى بها في أحد الفنادق، ولكن كانت الصدمة التي تلقتها سعاد، بقلب حزين موجوع، حيث فشل «يوسف» في التعرف عليها قائلاً: «لقيت ست بتجري تسلم عليا لما دخلت من باب الفندق، رديت التحية بشكل عادي فيه بعض البرود ظناً مني أنها معجبة عادية، لتفاجئني بقولها، أنا سعاد حسني يا حسن أنت مش عارفني».
وقد بدا عليه الاندهاش الذي فشل تماماً في إنكاره، ورغم أنه احتضنها، إلا أنه شعر بالغصة في قلبها والألم والحزن الذي اعتصرها لأن عِشرة عمرها الذي شاركها بطولة العديد من الأفلام، لم يستطع التعرف عليها.
سعاد حسني وحسن يوسف
كما أنه حكى عن موقف زوجته الفنانة المعتزلة شمس البارودي، ما حدث موضحاً أنها لامته كثيراً لعدم قدرته على التعرف عليها وشعرت بالألم الذي تسبب فيه لها، وقد نزلا معاً للبحث عنها ولكن كانت قد اختفت.
شعور حسن يوسف بالأسف والذنب على أمر ليس بيده ولم يكن يقصده، لن يكون سوى نقطة في بحر ما شعرت به السندريلا التي تبدل إحساسها وخاب أملها في لحظة بسبب صدفة قادتها لملاقاة صديقها وبطل عدد كبير من أفلامها.
بعد كل هذا الألم الذي فاق لحظات النجاح والتألق والنجومية عاشت بعيدة عن أهلها ووطنها في لندن مدينة الضباب التي شهدت وحدتها ثم رحيلها في بلد غريبة وبطريقة لا تزال تمثل لغزاً حتى الآن.
فلم تكن نهاية حياتها سعيدة كمعظم نهايات أفلامها، وظلت طريقة موتها سراً دُفِن معها، وما بين الدفع بالانتحار وتأكيد مقتلها انتهت حكاية سعاد.
حتى تكتمل المفارقات الحزينة والغريبة في حياة سعاد، فإن رحيلها في يوم الحادي والعشرين من يونيو قد صادف ذكرى ميلاد عبد الحليم حافظ.